السبت, أكتوبر 3, 2026
الرئيسيةمقالاتالمعارضة التي تبني الدولة… والمعارضة التي تهدمها ...

المعارضة التي تبني الدولة… والمعارضة التي تهدمها بقلم/ مهند عوض محمود


مهند عوض محمود
من أغرب ما ابتُلينا به في السياسة السودانية أن بعض القوى لا ترى مكاناً إلا على كرسي الحكم أو على ظهر الدولة. فإن دخلت الحكومة، أصبحت مؤسساتها ضرورة وطنية؛ وإن خرجت منها، صار إضعاف المؤسسات مشروعاً سياسياً. وكأن السودان شركة مساهمة: من لم يحصل على مقعد في مجلس إدارتها، جاز له إحراق المصنع!
هذه أزمة في فهم الدولة، وفي التمييز بين حق المنافسة على السلطة وواجب المحافظة على الوطن. فالحكومة تتغير، والمسؤول يُعفى، والسياسة تُراجع، أما الدولة فهي بيت الجميع. ومن يهدمها لإسقاط خصمه قد ينتصر عليه، لكنه يخسر الوطن الذي أراد حكمه.
المعارضة الجادة ضرورة، خصوصاً في بلد أنهكته الحروب وضعفت فيه أدوات الرقابة والمحاسبة. نحتاج من يسأل عن المال العام، ويكشف الفساد، ويناقش السياسات الاقتصادية، ويطالب بحماية المدنيين والحقوق والحريات. ونحتاج من يقول للمسؤول: أخطأت هنا، وهذه الأدلة، وهذا البديل.
لكن من يطلب ثقة الناس يجب أن يقدم أكثر من قائمة اتهامات؛ عليه أن يشرح كيف سيعالج ما ينتقده، وما تكلفة البديل. فالغضب وحده لا يدير اقتصاداً، والشعارات لا تعيد بناء مستشفى، والخصومة لا تصلح برنامجاً للحكم.
في بريطانيا، للمعارضة موقع رسمي، ولزعيمها حكومة ظل تفحص عمل الوزارات وتطور السياسات البديلة. تستعد للحكم بإثبات قدرتها على فهم مشكلاته ومعالجتها، وتقدم للناخب ما يستطيع مقارنته بأداء الحكومة. ويجوز لها الاختلاف حتى في القرارات العسكرية. ففي 29 أغسطس 2013، رفض مجلس العموم مقترح الحكومة المتعلق بسوريا بأغلبية 285 صوتاً مقابل 272، وأعلن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون عدم المشاركة في العمل العسكري نتيجة التصويت. حُسم خلاف بالغ الحساسية داخل المؤسسات، والتزمت الحكومة بالنتيجة.
وفي ألمانيا، لا يستطيع البرلمان إزاحة المستشار بحجب الثقة عنه إلا بانتخاب خلف له، وفق المادة 67 من القانون الأساسي. وبهذه الآلية تولى هلموت كول المنصب خلفاً لهلموت شميت عام 1982. تستطيع إسقاط الحكومة، لكن عليك توفير البديل؛ فلا يتحول نجاحك السياسي إلى فراغ يدفع المجتمع ثمنه.
هذه الديمقراطيات ليست خالية من الانتهازية والاستقطاب، لكن آلياتها تربط المنافسة على الحكم بمسؤولية استمرار المؤسسات. ويظل القانون فوق الجميع: الحكومة والمعارضة والمؤسسات. فالحفاظ على الدولة لا يمنح المسؤول حصانة، وحق المعارضة لا يعفيها من مسؤولية وسائلها ومطالبها.
وفي السودان، حين يُطرح حظر التسليح على الجيش والمليشيا معاً، أو تقييد الطيران، يجب السؤال عن النتائج: هل يمنع ذلك إمداد المليشيا؟ من يحمي المدن والمواطنين؟ وما الترتيب الذي يحفظ للدولة قدرتها على الدفاع عن أراضيها؟
كأن الحي إذا تعرض لهجوم مسلح، فإن قمة الحياد أن تمنع الشرطة والمعتدين معاً من حمل السلاح، ثم تتمنى للسكان ليلة سعيدة!
القوات المسلحة مؤسسة وطنية تخضع للقانون والمساءلة، ويجب تعزيز مهنيتها وانضباطها ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات. لكن محاسبتها لا تستلزم محو الفارق بينها وبين مليشيا متمردة تنازع الدولة سلطتها. المطلوب جيش وطني مهني موحد يحمي الناس، ولا يتحقق ذلك بإضعاف مؤسسة الدفاع وترك مصادر تهديد المواطنين قائمة.
وفي ملف الهدنة، يظهر الخلل حين يجري الاحتفاء بالكلمة قبل قراءة شروطها. من يراقب الالتزام؟ كيف تصل الإغاثة؟ هل يُمنع التحشيد وإعادة التسليح؟ وكيف تُحمى المدن والأعيان المدنية؟ وما الجزاء عند الخرق؟
من يؤيد الهدنة عليه شرح ضماناتها، ومن يرفضها عليه تقديم مبرراته والبديل الذي يخفف معاناة الناس. أما اعتبار قبول أي مقترح شهادة أخلاقية، وتصوير كل سؤال عن مخاطره دليلاً على حب الحرب، فهو ابتزاز يغلق باب النقاش.
واحتمال استخدام الهدنة لإعادة تموضع المليشيا يستوجب ضمانات قابلة للتحقق. فالهدنة ليست قصيدة نقيّم جمال ألفاظها؛ إنها ترتيب أمني تُختبر قيمته بما يحفظه من أرواح وما يمنعه من اعتداءات. والمواطن يحتاج إلى ما يمنع مهاجمته غداً، أكثر مما يحتاج إلى بيان يهنئه براحة مؤقتة اليوم.
وفي الاقتصاد، يظهر الخلل حين يطغى الجدل حول مخصصات المسؤول على تقييم أداء المؤسسة. وقد شهدنا تناولاً إعلامياً لراتب محافظ بنك السودان وإيجار المنزل المخصص لها، بينما تستحق السياسات النقدية وأثرها في الإنتاج والأسعار وتمويل التجارة نقاشاً أعمق وأكثر استمراراً.
مساءلة المسؤول عن راتبه وامتيازاته وتكلفة سكنه حق مشروع. لكن اختزال تقييم البنك المركزي في هذه البنود يحوّل قضية اقتصادية كبرى إلى كشف مرتب وفاتورة إيجار؛ وكأننا إذا خفضنا إيجار المنزل، عاد الجنيه إلى سابق عافيته!
المساءلة تشمل كيف يُنفق المال العام وكيف تُدار السياسة النقدية. فمن يعترض على أداء المحافظ، فليشرح أين أخفقت قراراتها، وكيف أثرت في التضخم وسعر الصرف وتمويل الإنتاج، وما البديل. فلا الراتب يمنح حصانة من النقد، ولا الجدل حوله يغني عن تقييم النتائج.
وسط هذا الضجيج، لفتت نظري مبادرة تنسيقية القوى الوطنية وزيارة وفدها، برئاسة محمد سيد أحمد الجكومي، إلى بوجمبورا، ولقاؤه رئيس بوروندي والرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، إيفاريست ندايشيميي، كما نقلت التقارير المنشورة.
وقرأت مذكرتها المؤرخة في 25 سبتمبر 2026، التي تطلب دعم رفع تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الأفريقي. هنا تحرك يحمل مطلباً محدداً، ويحشد له الدعم، ويعرض حجته أمام جهة مؤثرة في القرار القاري.
تذكّر المذكرة بأن السودان عضو مؤسس في منظمة الوحدة الأفريقية، وأن تعليق مشاركته لا يعني زوال عضويته. وتعرض رؤية التنسيقية للتحولات منذ قرار التعليق: آثار الحرب، وتشكيل حكومة برئاسة مدنية، واستعادة العمل المؤسسي من الخرطوم، وعودة نشاط أممي، والمشاورات السياسية وتيسير المشاركة في الحوار.
وتستند المذكرة إلى هذه التطورات لطلب مراجعة التعليق، وتناقش كلفة استمرار العزل على التواصل والتعافي وحماية المدنيين. كما تقر باستمرار التحديات وعدم اكتمال متطلبات الانتقال والسلام. الدفاع عن السودان يحتاج إلى هذه الصراحة: عرض ما تحقق، وتحديد ما بقي، وشرح كيف يساعد الانخراط الأفريقي في تجاوز الأزمة.
وتستحق مبادرة التنسيقية التقدير لما تقدمه من خدمة لقضية وطنية تتجاوز حسابات السلطة. فمقعد السودان في الاتحاد الأفريقي يخص شعباً كاملاً، واستعادة حضوره مكسب للبلاد، لا لحزب أو مسؤول.
هذا ما نريده من القوى السياسية: تحشد الدعم لقضايا الوطن وتدافع عن مؤسساته، مع احتفاظها بحق نقد الحكومة ومحاسبتها. تستطيع الاختلاف مع الوزير والمساعدة في إنجاح قضية وطنية يتولاها. وتستطيع منافسة الحكومة دون أن تتمنى فشل البلد.
والدفاع عن شرعية المؤسسات يرتب مسؤولية إصلاحها وتوسيع المشاركة فيها، ولا يؤجل حقوق السودانيين في الحكم المدني والتمثيل السياسي. فالدولة القوية تُبنى بمؤسسات قادرة ومسؤولة، وبمواطن يستطيع مساءلتها دون خوف.
مأزق السياسة حين يُحصر قاموسها بين الوزارة والبندقية: إما نصيب في السلطة، وإما وسيلة لإجبار الآخرين عليه. وتضيع بينهما مساحة العمل المدني الجاد: تنظيم المجتمع، وبناء البرامج، ومراقبة الأداء، وخدمة الناس.
السودان يحتاج إلى معارضة تخشى على المواطن أكثر مما تكره خصمها؛ تفرح بنجاح يخدم الناس ولو حققته حكومة تختلف معها، وتكشف الخطأ ولو ارتكبه حليفها. معارضة تعرف أن خسارة موقع في السلطة لا تبرر خسارة الوطن.
عارضوا الحكومة بأقصى ما تملكون من حجة، وطالبوا بتغييرها حين تفشل، وحاسبوا المسؤول حين يخطئ. لكن اتركوا للسودان دولة؛ فالسلطة التي تريدون الوصول إليها لا معنى لها إذا لم يبقَ وطن تحكمونه.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات