لم تأتِ فكرة الروافد في تكوين الهوية السودانية من فراغ، ولم تكن وليدة اللحظة. إنها حصيلة رحلة طويلة مع سؤال الهوية السودانية، بدأت منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا، وما زالت مستمرة حتى اليوم.
في عام 2013م كتبت «الهوية السودانية (1)» و«الهوية السودانية (2)»، وكانت تلك من البدايات التي فتحت أمامي مساحة واسعة للتفكير في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في السودان. ومنذ ذلك الوقت ظل موضوع الهوية حاضرًا في كتاباتي، يتغير تناوله وتتسع زواياه كلما اتسعت دائرة البحث والقراءة والتجربة.
في تلك السنوات كان السودان يعيش صراعًا متواصلًا حول تعريف الذات، بين من يرد الهوية إلى العروبة، ومن يردها إلى الأفريقية، ومن يبحث عنها في القبيلة أو الإقليم أو التاريخ القديم. ومع الوقت بدا لي أن هذه الطريقة في النظر إلى الهوية لا تفسر السودان، بقدر ما تعكس الصراع حوله.
فالسودان ليس نتاج مصدر واحد. تاريخه الطويل شهد تداخل شعوب وثقافات وممالك وسلطنات وهجرات وطرق تجارة ومصاهرات وتفاعلات اجتماعية وسياسية تركت جميعها آثارها في الشخصية السودانية.
ومن هنا بدأ التحول في التفكير: الهوية السودانية لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال سؤال الأصل، وإنما من خلال مسار التكوين.
وفي 22 أبريل 2024م كتبت مقال «السودانوية هي الحل والفدرالية أساسًا للحكم». وكانت السودانوية بالنسبة لي مرحلة مهمة في هذه الرحلة؛ لأنها حاولت نقل النقاش من صراع الانتماءات إلى البحث عن المشترك السوداني، ومن محاولة تصنيف السودانيين إلى محاولة النظر إليهم باعتبارهم أصحاب تجربة تاريخية مشتركة.
لكن مواصلة البحث قادتني إلى ما هو أبعد من ذلك.
فإذا كانت السودانوية تصف الخصوصية السودانية، فإن هناك مستوى آخر من التفكير يتعلق بالطريقة التي تشكلت بها هذه الخصوصية.
وهنا بدأت فكرة الروافد تتبلور.
السودان، في تقديري، يشبه مجرى واسعًا تشكلت داخله روافد كثيرة. لكل رافد تاريخه وخصوصيته وذاكرته وثقافته، لكن هذه الروافد لم تبقَ منفصلة عن بعضها. دخلت في علاقات طويلة من التعايش والصراع والمصاهرة والتجارة والهجرة والتبادل الثقافي والاجتماعي، وأسهمت بدرجات متفاوتة في صناعة التجربة السودانية.
الرافد لا يفقد وجوده عندما يدخل المجرى، والمجرى لا يستطيع أن يدعي أنه جاء من رافد واحد.
ومن هنا تنشأ الفكرة الأساسية لنظرية الروافد: الهوية السودانية نتاج تفاعل روافد متعددة داخل مجرى تاريخي مشترك.
هذه الرؤية لا تنفي خصوصية أي مكون سوداني، ولا تمنح مكونًا واحدًا حق احتكار تعريف السودان. وهي في الوقت نفسه لا تعني أن كل الروافد متطابقة أو أن تاريخها واحد، وإنما تعني أن ما نسميه اليوم بالهوية السودانية هو حصيلة تراكم طويل لهذا التفاعل.
ومن هذا المنطلق يأتي مفهوم الهوية الرافداوية.
فالهوية الرافداوية ليست هوية جديدة يراد فرضها على السودانيين، وإنما وصف تفسيري مقترح للكيفية التي تشكلت بها الهوية السودانية. هي هوية متعددة المنابع، لكنها لم تبقَ مجرد مجموع لهذه المنابع، بل أنتج التاريخ بينها مشتركًا سودانيًا له خصائصه.
وهنا تكمن أهمية الانتقال من الحديث عن الأصول إلى الحديث عن التكوين.
لقد ظل الجدل حول الهوية السودانية في كثير من الأحيان أسيرًا لمنطق الأسبقية: من كان هنا أولًا، ومن جاء لاحقًا، ومن هو الأصيل، ومن هو الوافد. لكن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة. المجتمعات لا تتشكل في لحظة واحدة، ولا تبنى من عنصر واحد، وإنما تتكون عبر الزمن من تفاعلات متراكمة.
ومن هذه الزاوية يصبح التنوع السوداني جزءًا من عملية التكوين نفسها، وليس عارضًا عليها.
وما أطرحه اليوم في «نظرية الروافد في تكوين الهوية السودانية» هو امتداد طبيعي لرحلة بدأت عام 2013، ثم مرت بمحطة السودانوية عام 2024، وتواصلت خلال كتاباتي الأخيرة حول الهوية ضمن مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني.
ومن المفيد هنا أن أشير إلى أن مقال «السودان… الهوية المعلّقة بين العِرق والجغرافيا» الذي نشرته في أغسطس 2026م يمثل أيضًا محطة متقدمة في هذه الرحلة، فقد كان محاولة لمراجعة الثنائية التي ظلت تحاصر التفكير في الهوية السودانية بين العرق والجغرافيا.
اليوم أجد أن المسار كله يقود إلى فكرة أكثر وضوحًا: لا يمكن فهم الهوية السودانية من خلال البحث عن مكون واحد يمثل السودان، وإنما من خلال فهم الروافد التي ساهمت في تشكيله، والتفاعلات التي حدثت بينها، والتراكم التاريخي الذي أنتج المشترك السوداني.
وهذا هو جوهر الروافدية.
إنها محاولة لإعادة ترتيب النظر إلى الهوية السودانية؛ من الهوية باعتبارها أصلًا ثابتًا إلى الهوية باعتبارها تكوينًا تاريخيًا، ومن الانتماءات المتنافسة إلى التفاعلات التي صنعت مجتمعًا متنوعًا، ومن محاولة إلغاء الاختلاف إلى إدراك أن الاختلاف نفسه كان جزءًا من صناعة المشترك.
ولذلك فإن العبارة التي تلخص هذا التصور عندي هي:
الرافد يساهم في صناعة المجرى، لكنه لا يملكه؛ والمجرى يجمع الروافد، لكنه لا يلغيها.
هذه الفكرة هي خلاصة مرحلة طويلة من البحث، وليست ادعاءً بامتلاك الحقيقة النهائية. وهي قابلة للنقاش والنقد والتطوير، لأن القضايا الكبرى لا تُحسم بمقال واحد، وإنما تتطور عبر الحوار والبحث والتجربة.
لقد بدأت رحلتي مع الهوية السودانية قبل ثلاثة عشر عامًا، وتغيرت خلال هذه السنوات كثير من المفاهيم والمقاربات، لكن ظل الهدف واحدًا: الوصول إلى قراءة تستطيع أن ترى السودان كما هو، لا كما تريد له الصراعات السياسية والهوياتية أن يكون.
واليوم، بعد هذه الرحلة، أجد أن الروافدية تقدم لي إطارًا أكثر قدرة على تفسير هذا التعقيد، وأن الهوية الرافداوية يمكن أن تكون وصفًا مناسبًا للهوية السودانية التي تشكلت من روافد متعددة، وتفاعلت داخل تاريخ واحد، وأنتجت مشتركًا لا يلغي خصوصيات مكوناتها.
إنها محاولة للانتقال من صراع الأصول إلى فهم التكوين، ومن تفكيك الهوية إلى إعادة تركيبها، ومن النظر إلى التنوع بوصفه مشكلة إلى التعامل معه باعتباره إحدى الحقائق المؤسسة للسودان.
ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في هذه الرحلة الفكرية.
،،، تحياتي ،،،
