كتبنا في مقال سابق عن القيادة الأمريكية في أفريقيا (AFRICOM) وعلاقتها بالحرب السودانية، وتوقفنا يومها عند دلالة تحركها في محيط السودان، وخصوصًا زيارة قائدها الجنرال داغفين أندرسون للمنطقة. يومها كان السؤال لماذا تتحرك القيادة العسكرية الأمريكية في هذا التوقيت وفي هذا المحيط الجغرافي؟ اليوم نعود إلى السؤال نفسه، لكن من زاوية أكثر إلحاحًا هل كانت تلك التحركات مجرد نشاط أمني معتاد، أم أنها جزء من قراءة أمريكية جديدة لحرب سودانية بدأت تتجاوز حدودها؟ اليوم تبدو الصورة أكثر إثارة للقلق، لا لأن هناك قرارًا أمريكيًا معلنًا بالتدخل العسكري في السودان، ولا توجد حتى الآن أدلة كافية للقول بذلك، وإنما لأن عددًا من التطورات تتحرك في الاتجاه نفسه.
في أواخر يوليو، زار قائد AFRICOM إثيوبيا وكينيا والصومال. وفي إثيوبيا شارك في مؤتمر للوجستيات والاتصالات نظمته AFRICOM والجيش الإثيوبي، والتقى رئيس الوزراء آبي أحمد وقيادات عسكرية وأمنية. وتقول AFRICOM إن الزيارة ركزت على تعزيز التعاون والتنسيق والاستقرار الإقليمي، وإن المؤتمر جمع ممثلين من نحو أربعين دولة أفريقية. وبعد أسابيع قليلة، أعلنت إثيوبيا وواشنطن اتفاقًا لرفع التعاون الدفاعي والأمني إلى مستوى جديد، تحدثت عنه أديس أبابا بوصفه «شراكة استراتيجية شاملة» تشمل الدفاع والأمن والاستقرار في القرن الأفريقي والمنطقة. وجاء الإعلان الإثيوبي بعد مشاورات عسكرية في البنتاغون يومي 19 و20 أغسطس. ومن المهم مهنيًا أن نميز بين ما أعلنته أديس أبابا وبين ما يمكن إثباته من الجانب الأمريكي؛ فصيغة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» وردت في البيان الإثيوبي. في الوقت نفسه، خرجت الحرب السودانية من حدودها بصورة أكثر وضوحًا، سواء عبر تداعياتها على دول الجوار أو عبر تنامي البعد الإقليمي للحرب والسلاح والمسيّرات. وهنا يصبح السودان من منظور واشنطن أقل شبهًا بحرب داخلية محصورة، وأكثر ارتباطًا بأمن إقليم شديد الحساسية يمتد من الساحل إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
فإذا أصبحت الحرب السودانية مصدرًا مباشرًا لعدم الاستقرار في دول الجوار، فإن مبررات التحرك الأمريكي يمكن أن تتغير من «إنهاء حرب داخلية» إلى احتواء تهديد إقليمي. والتحرك الأمريكي بدأ بالفعل، لكن حتى الآن عبر الأدوات الدبلوماسية والعقوبات والضغط في مجلس الأمن. والتحرك الأمريكي ظهر بالفعل في المجال الدبلوماسي؛ إذ تدفع واشنطن نحو توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، بما في ذلك المسيّرات والتقنيات المرتبطة بها، في محاولة للضغط على طرفي الحرب للعودة إلى التفاوض. وهنا يظهر سؤال آخر أكثر حساسية ماذا لو اصطدمت أي محاولة أممية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة بالفيتو الروسي أو الصيني؟ عندها قد تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة: حرب تتوسع إقليميًا، ومجلس أمن محدود القدرة على فرض أدواته، ودول مجاورة تحتاج إلى دعم أمني، وقيادة عسكرية أمريكية تمتلك أصلًا شبكة من الشراكات والبنى العملياتية في القارة. لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن AFRICOM تستعد للحرب في السودان. فالقيادة الأمريكية في أفريقيا تعمل أصلًا عبر الشراكات والتدريب وبناء القدرات، ولديها أيضًا عمليات عسكرية مباشرة في مناطق أخرى من القارة؛ وفي 30 يوليو، أي خلال جولة أندرسون نفسها، أعلنت AFRICOM تنفيذ ضربة جوية ضد حركة الشباب في الصومال بالتنسيق مع الحكومة الصومالية. لذلك فإن الأدق أن نقول: ربما لا تستعد AFRICOM للتدخل في السودان، لكنها تستعد للتعامل مع سودانٍ قد يصبح جزءًا من أزمة إقليمية أكبر. والفرق بين العبارتين كبير.
فالسؤال الحقيقي ليس متى تهبط الطائرات الأمريكية في السودان، وإنما متى يصبح عدم التدخل أكثر كلفة على واشنطن من التدخل؟ إذا اتسعت آثار الحرب على تشاد وإثيوبيا، وتزايدت حركة السلاح والمسيّرات عبر الحدود، وواصلت القوى الخارجية تغذية الصراع، وفشل مجلس الأمن في اتخاذ إجراءات فاعلة، فقد تتغير الحسابات. وحينها لن يكون السودان وحده هو القضية. سيصبح السودان جزءًا من معادلة أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نراقب تحركات AFRICOM، لا بحثًا عن «قرار حرب» مخفي، وإنما بحثًا عن مؤشرات إعادة ترتيب البيئة الأمنية المحيطة بالسودان. فالحرب السودانية، كلما اتسعت جغرافيًا، ضاقت المسافة بينها وبين التدخل الدولي المباشر، لكن الانتقال من الضغط السياسي إلى التدخل العسكري يحتاج إلى قرار وأدلة ومبررات مختلفة تمامًا.
هل نحن أمام استعداد أمريكي للتدخل في السودان… أم أمام استعداد أمريكي للتعامل مع تداعيات حرب سودانية خرجت بالفعل من حدود السودان؟ ربما تكون الإجابة، حتى الآن، في المنطقة الفاصلة بين السؤالين. لكن ما لا ينبغي تجاهله أن الخريطة المحيطة بالسودان تتغير، وAFRICOM تتحرك داخل هذه الخريطة. وهذا وحده يستحق أن نراقبه بعناية.
