لم تكن الحرب الضروس التي فُرضت على السودان مجرد صراع عابر على السلطة أو نزاع مرحلي على الهيمنة بين مكونات عسكرية وسياسية، بل كانت منذ اللحظة الأولى حلقة ممتدة ومحبوكة في سلسلة طويلة من التآمر الإقليمي والدولي. تستهدف أدوات التطبيع والعمالة في هذا الصراع تفتيت بنية الدولة الوطنية، وإسقاط مؤسساتها الجامعة، واستبدال جيشها الوطني بمليشيات مرتهنة للقرار الخارجي. وفي قلب هذا المشهد المظلم، لم تعد دولة الإمارات العربية المتحدة تكتفي بالدعم التخريبي الاستخباري الخفي، بل تحولت علناً وميدانياً إلى المقاول الإقليمي المباشر لتنفيذ مخططات التفكيك وإعادة تشكيل جغرافية المنطقة، بما يخدم الغايات الأعمق للمشروع الصهيوني وحلفائه في الشرق الأوسط.
ويتضح هذا المسار التخريبي بالنظر إلى هندسة “الإطاري” والتمهيد السياسي للمحرقة؛ إذ إن بداية هذا المخطط الشيطاني لم تكن وليدة الطلقة الأولى التي أُطلقت في الخرطوم، بل صُيغت بذورها في أروقة الصالونات المغلقة عبر هندسة ذلك الاتفاق المشبوه. لقد عملت أبوظبي، بالتعاون مع دوائر غربية، على توظيف واجهاتها السياسية من أحزاب ومجموعات مدنية ارتهنت للتمويل الخارجي، لتصنيع واقع سياسي مشوه يشرعن وجود المليشيا المتمردة ويمنحها مكاسب تفاوضية موازية للسيادة السودانية. كان “الإطاري” الغطاء الناعم والمحاولة الخبيثة لإضعاف القوات المسلحة السودانية وتكبيل قدرتها على حفظ أمن البلاد، وعندما فشلت تلك القوى في تدجين الإرادة الوطنية، وانكشفت سوأة السيطرة السريعة، تحول المخطط فوراً ودون مواربة من الدبلوماسية المسمومة إلى ترسانات الموت المباشر.
ولم يتوقف الأمر عند حدود المناورات السياسية، بل امتد ليتجلى في جسور الموت ومخالب الاستنزاف الإقليمي، حيث إن الأموال الفلكية التي أنفقتها أبوظبي لتمويل مليشيا الدعم السريع، وتوفير جسور الإمداد الجوي واللوجستي عبر الحدود، وتزويدها بالأسلحة والمسيّرات والمنظومات المتطورة لقتل الآمنين وتدمير البنى التحتية في المدن والقرى والبلدات البعيدة، ليست سوى الوجه العسكري الخشن لمشروع الهيمنة والتفتيت. ومع كل انتصار ميداني يحققه الجيش السوداني ومعه شرفاء الأمة في تطهير الولايات والمواقع الاستراتيجية من رجس التمرد، تزداد حماقات معسكر الشر؛ إذ تبحث الإمارات اليوم عن خطط بديلة عبر تجنيد الخلايا السرطانية والعملاء المأجورين والمستترين بالداخل لإثارة البلبلة والتخريب الدقيق في المناطق الآمنة، بغية تعويض خسائر المليشيات الميدانية وتشتيت جهود الدولة.
ولعل الوجه الأكثر خباثة وخطورة لهذا الدور يتكشف في “الإبراهيمية” والاختراق الفكري بالغطاء الناعم؛ إذ لا يقف التخريب عند السلاح والمال السياسي، بل يتعداه إلى التغطية الفكرية والعقائدية من خلال تسويق ما يُسمى بـ “الديانة الإبراهيمية” كمنتج ثقافي مسموم يُراد تطبيقه في المنطقة. إن هذه “الإبراهيمية” المدعومة صهيونياً ليست دعوة إنسانية للتسامح والتعايش كما يُسوّغ لها إعلام أبوظبي، بل هي أداة اختراق جيو-ثقافي صيغت لإنهاء عقيدة المقاومة، وتذويب الهوية العربية والإسلامية الجامعة، وتدجين الشعوب حتى تقبل بالتطبيع الشامل واستباحة مقدراتها دون أي ممانعة. إن اليد التي تمول السلاح الذي يمزق أجساد المدنيين في السودان واليمن وليبيا هي ذاتها اليد التي تبث سموم هذه المخططات لتجريد الشعوب من مناعتها الفكرية والعروبية.
غير أن الرهان على انكسار هذه الأمة يظل رهاناً خاسراً، لأننا نرى اليوم كيف يقف الجميع على أسوار الوعي تحترق المؤامرات، بعد أن غفل معسكر الشر وعملاؤه في أحزاب الإطاري عن حقيقة تاريخية جوهرية: وهي أن الشعوب الحرة التي عايشت المآسي والويلات لم يعد لديها ما تخسره، وأن مرارات التهجير والقتل والنزوح لم تزد الشعب السوداني إلا تماسكاً ويقظةً. إن الوعي المجتمعي الصلب الذي تشكل في رحم معركة الكرامة استحال سداً منيعاً تحطمت عليه كل مؤامرات التفكيك، وسقطت أمامه كل محاولات التمويل المشبوه، لتتكسر كافة المحاولات الخبيثة لزرع الفوضى، وتتكشف أوهام المأجورين أمام صلابة القوات المسلحة والشعب المرابط، وتستقر الحقيقة الناجزة التي لا تقبل المساومة: إن الأوطان التي تُصان بفيض الدماء الشريفة لا يُمكن أن تُباع بمال العمالة والتطبيع، ولن يجني معسكر التآمر سوى الخيبة والاندحار، ونصرٌ من الله وفتحٌ قريب.
