في الجزء الأول، لم أكن أبحث عن متهم، بقدر ما كنت أبحث عن بداية الخلل.
واليوم، أواصل السؤال من زاوية أخرى؛ لأن اختلال الموازين لا يتوقف عند السياسة ومؤسسات الدولة، بل يمتد إلى المجتمع، وإلى وعينا، وإلى الطريقة التي نمنح بها القيمة والتقدير.
والسؤال هنا:
ماذا حدث لموازين القيمة في مجتمعنا؟
أكتب عن وطنٍ أصبحنا فيه نمجّد المغنيات، ونعطي الشهرة مساحة أكبر من العلم، ونمنح نشطاء مواقع التواصل شأناً قد يفوق أستاذاً جامعياً أو باحثاً أفنى سنوات عمره في المعرفة.
ولا أقول إن الفن خطأ، ولا إن الناشط بلا قيمة.
أنا أسأل فقط:
متى اختلت عندنا موازين القيمة؟
متى أصبح عدد المتابعين أهم من عدد الأفكار؟
متى أصبح من يرفع صوته أعلى من صاحب العلم؟
ومتى أصبح الشاب السوداني يبحث عن منفذ من واقعه، بدلاً من أن يبحث عن كتاب أو جامعة أو فرصة عمل أو مشروع يبني به مستقبله؟
هذه ليست أسئلة عن شخص واحد.
هذه أسئلة عن وطن كامل.
وحين تصبح الشهرة معياراً للقيمة، لا يعود السؤال:
ماذا قدم الإنسان؟
بل يصبح السؤال:
كم شخصاً يتابعه؟
وهنا نحتاج إلى أن نعيد النظر في أولوياتنا.
هل وصلت مكانة المغنية في السودان إلى درجة أن تُستقبل بالمظاهر السيادية، وتُخصص لها عربات وحراسة واحتفاء رسمي، بينما المواطن الذي يدفع الضرائب ويكابد الغلاء وشظف المعيشة لا يجد أبسط حقوقه؟
أنا لا أهاجم المغنية، ولا أقول إن الفن لا يستحق الاحترام.
لكنني أسأل عن الأولوية.
حين تُصرف موارد الدولة على مظاهر الاحتفاء والرفاهية، بينما المواطن يبحث عن قوت يومه، فالسؤال ليس عن الفنانة وحدها، بل عن من يقرر أين تذهب موارد الدولة، وما الذي يستحق كل هذا الاحتفاء.
والأشد إيلاماً أن المواطن يقف ويصفق، بينما لا يسأل:
من يدفع ثمن كل هذا؟
فالمال العام مال المواطن.
وإذا كان الأستاذ الذي يصنع العقول لا يجد التقدير، والعامل الذي يبني البلد لا يجد ما يكفيه، والمواطن الذي يدفع الضرائب لا يجد حقه في الحياة الكريمة، فعلينا أن نسأل أنفسنا:
متى أصبحت الشهرة أغلى من قيمة الإنسان؟
وأيضاً….
ماذا فعلنا بشباب السودان؟
وهنا لا أريد أن أحمّل الشباب مسؤولية ما صنعناه نحن.
الشاب السوداني اليوم يعيش واقعاً صعباً:
حرب، وغلاء، وبطالة، وتعليم يتعثر، ومستقبل لا يعرف كيف سيكون.
ثم نطلب منه أن يكون واعياً، ومثقفاً، وقادراً على بناء وطنه.
لكن ماذا أعطيناه نحن؟
أغلقنا أمامه أبواباً كثيرة، وتركنا له مواقع التواصل لتصبح مساحة للهروب من واقع لا يملك القدرة على تغييره.
فأصبح بعض الشباب يقيس النجاح بعدد المتابعين، والشهرة، والظهور، لا بالعلم والعمل والإنجاز.
لكننا لا نلوم الشباب وحده.
علينا أن نسأل أنفسنا أولاً:
ماذا فعلنا حتى يصبح العلم حلماً، والعمل حلماً، والاستقرار حلماً؟
الشباب ليسوا مشكلة السودان.
الشباب هم مستقبل السودان، لكن المستقبل يحتاج إلى أن نعطيه فرصة.
وهذه الفرصة لا تبدأ بالشعارات.
تبدأ بتعليم يحترم العقل، وعمل يحفظ الكرامة، ومؤسسات تفتح الطريق أمام الكفاءة، ومجتمع يعرف أن الشهرة عابرة، لكن المعرفة تبني أجيالاً.
فالأمم لا تُبنى بمن يملأون المشهد ضجيجاً، وإنما بمن يملأون المستقبل علماً وعملاً وإنتاجاً.
*حين تصبح المعركة على الوعي……
لكن هناك سؤالاً أخطر:
ماذا يحدث لعقل جيل كامل حين يصبح المشهد أكثر تأثيراً من المعرفة؟
نحن لا نعيش أزمة معلومات فقط، بل نعيش أزمة انتباه.
وفي زمن الحرب، يصبح انتباه الإنسان نفسه ثروة.
فإذا شُغلت العقول بكل ما هو عابر، وغاب عنها ما هو مصيري، يصبح من السهل أن ينسى الناس السؤال الأهم:
من مات؟
من نزح؟
من فقد بيته؟
من ينتظر ابنه؟
ومن لا يزال يقاتل أو يعمل أو يصبر من أجل أن يبقى هذا الوطن؟
ليست المشكلة أن نحتفل.
المشكلة أن نحتفل وننسى.
وليست المشكلة أن نُعجب بمشهور، وإنما أن يصبح الإعجاب به أكبر من تقدير من صنعوا للوطن معنى التضحية.
وليست المشكلة في أن نسمع الأغنية، وإنما أن يعلو صوتها حتى لا نسمع أنين وطن.
وهنا تختل الموازين مرة أخرى.
لأن الوطن لا يحتاج فقط إلى من يدافع عن أرضه، بل يحتاج أيضاً إلى من يحمي وعي أبنائه من أن يصبح أسيراً للمشهد العابر.
وعندما نفقد القدرة على التمييز بين ما هو مهم وما هو عابر، لا تعود المشكلة في الشهرة وحدها؛ بل تصبح مشكلة في البوصلة نفسها.
ولهذا، فإن معركة الوعي ليست ترفاً.
إنها جزء من معركة بناء السودان.
أن نعلّم أبناءنا أن قيمة الإنسان فيما يقدم، لا فيما يملك من متابعين.
أن نعيد للعلم مكانته.
أن نحترم العامل كما نحترم الأكاديمي.
أن نعرف أن الشهرة ليست إنجازاً بذاتها.
وأن نفهم أن الوطن لا يُبنى بمن يملأون المشهد، بل بمن يتركون أثراً في المستقبل.
وفي النهاية…
السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الصراخ، ولا إلى مزيد من التخوين، ولا إلى مزيد من تغيير الوجوه.
يحتاج إلى أن نغيّر الطريقة التي نفكر بها في الدولة والوطن.
لا نريد دولة يحكمها حزب ضد حزب، ولا جماعة ضد جماعة، ولا مركز ضد أطراف، ولا قوة فوق القانون.
نريد دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والعلم له مكانته، والعمل له قيمته، والشباب لهم مستقبل، والمواطن له كرامته.
نريد أن نتوقف عن سؤال:
من يحكم السودان؟
ونبدأ بالسؤال الأهم:
كيف نبني السودان؟
فالسلطة تتغير، والأشخاص يذهبون، والحكومات تأتي وتغادر، لكن السودان يجب أن يبقى.
وإذا كنا نريد لهذا الوطن أن ينهض، فعلينا أن نعيد ترتيب موازيننا:
الوطن قبل الحزب.
الدولة قبل الجماعة.
العلم قبل الشهرة.
المؤسسة قبل القوة.
والمواطن قبل كل شيء.
أنا لا أكتب لأرضي أحداً، ولا لأغضب أحداً.
أكتب لأنني أؤمن أن الكلمة التي تخاف من الحقيقة لا تستطيع أن تبني وطناً.
وقد نختلف في السياسة، وقد نختلف في الرأي، وقد نختلف في الطريق…
لكن يجب ألا نختلف على السودان.
سودان واحد… دولة واحدة… وطن يتسع للجميع.
هذا هو السودان الذي أريده.
وهذا هو السودان الذي يستحقه أبناؤه.
سودانٌ لا تكون فيه القيمة لمن يعلو صوته، بل لمن يضيف شيئاً إلى وطنه.
ولأن اختلال الموازين لا يقف عند حدود الشهرة والمعرفة، فإن السؤال القادم سيكون أكثر وجعاً: ماذا حدث لذاكرتنا؟ وماذا فعلنا بهيبة الكاكي وحرمة الشهداء، ونحن نعيش في وطنٍ ما زال جريحاً؟
يتبع في الجزء الثالث: السودان حين اختلت موازيننا (3) — هيبة الكاكي… وذاكرة الشهداء.
✍️……
سلام وأمان، فالعدل ميزان.
أكتب لا لأنتصر على أحد، بل لأنتصر للحقيقة والوطن.
فإن اختلت الموازين، بقيت الكلمة شاهدةً على زمنها.
أنا الرسالة حين يضيع البريد..
أنا امرأة من حبر النار..
✒️ عبير نبيل محمد
