أيها السادة.. لم يعد الخراب يأتيك فقط من صوت الدانات أو صرير الدبابات، بل بات يسلك طريقه بنعومة قاتلة عبر «رسالة بريدية»!
في صندوق رسائل «لجنة الأمل للعودة الطوعية»، تقبع حقيقة مؤلمة تُطبخ على نارٍ هادئة. تذاكر صُكّت بالإنسانية، وكتبت عليها المبادرات ببنطٍ عريض: «مجاناً.. لأجل الوطن».. لكنها، وفي غفلة من الضمير، تتحول بقدرة «السمسرة» إلى بضاعة ممهورة بالابتزاز، تُباع جهاراً نهاراً في أسواق الشتات لمن يملك الثمن!
كيف يهبط سعر «الأمل» إلى الحضيض ليصبح تجارة؟ وكيف تتحول تذكرة العودة من طوق نجاة لـ«مغلوب على أمره» إلى ورقة يساوم بها سماسرة الأزمات؟!
المسألة لم تعد مجرد «سوء تنظيم» أو خلل في «سيستم» التفويج؛ نحن أمام طفيليات تقتات على الدموع وحسرة المشردين. يترصدون بالمرضى والأسر المتعثرة في زوايا الانتظار، ليهمسوا في آذانهم بالمعادلة القاسية: (إما أن تدفع إكرامية «التعجيل»، أو يتعفن اسمك في أدراج البريد المهجور!).
يا للهول.. أن تُمنح التذكرة باسم الإنسانية، وتُسلم بسعر السمسرة! أن يُكتب عليها «مجاناً»، بينما يُجبر السوداني على بيع آخر ما يملك من أثاث بيته القليل في الغربة.. فقط ليشتري حقه في أن يُردّ إلى دياره!
إن «لجنة الأمل» أمام امتحان أخلاقي مفصلي: إما أن تفرغ هذا البريد من سماسرته، وتضرب بيد من حديد بتقنيات تحظر التلاعب وتصون كرامة العائدين برقم قومي وبصمة لا تُزوّر.. أو أن تعلن بصراحة أنها تخلت عن اسمها، وتركت «الأمل» ليُباع في المزاد العلني!
وهنا نضع الخطوط تحت الحروف.. فهذه ليست محض انفعالات قلم أو انطباعات عابرة، بل هي شهادة موثقة بالأسماء، والتواريخ، وقوائم الحجز، وتحويلات الأموال التي سرقت فرحة الفقراء بالعودة. إن البريد الذي أُعدّ ليكون جسراً لنقل الملهوفين، صار مغارةً لبعض المتكسبين، والأدلة التي بين أيدينا اليوم ليست للتهديد.. بل هي للبتر!
إننا نضع هذه الحقيقة أمام رأي عام أرهقته الغربة، وأمام قيادة «لجنة الأمل» لتختار: إما أن تفتح أبوابها لتطهير هذا الملف الشائك، أو أن نفتح نحن صفحات هذه السلسلة الاستقصائية بالوثائق والأرقام، مقالاً تلو الآخر، حتى تعود للتذكرة المجانية كرامتها.. وللمواطن العائد عزّته.
الوطن ليس وجهة سياحية نشتري لها تذاكر الـ (VIP).. الوطن حق.. والأيام بيننا، وما خفي كان أعظم!
