حين تقول لجنة المعلمين السودانيين إن خمسة مليارات جنيه صُدّقت لكل موظف في عدد من مؤسسات وزارة المالية تحت بند «الكوارث»، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند الرقم، ولا عند الموظفين الذين شملهم الصرف. السؤال الأكبر هو كيف تُرتب الدولة أولوياتها المالية في زمن الحرب اللجنة تتحدث عن صرف شمل العاملين بوزارة المالية وديوان الحسابات والمراجعة الداخلية والضرائب، وتطالب بالكشف عن السند القانوني والمالي للصرف، ومصدر الأموال وكشوف المستفيدين.
هذه اتهامات خطيرة، لكنها تظل اتهامات إلى أن تقول الجهات المختصة كلمتها، وتكشف المستندات حقيقة ما جرى. غير أن القضية تصبح أكثر إيلامًا حين توضع إلى جوار واقع المعلمين. فالمعلم الذي يحمل على عاتقه تعليم ملايين الأطفال، ويواصل أداء رسالته في ظروف الحرب والنزوح وانهيار المدارس، لا ينبغي أن يجد نفسه دائمًا في آخر قائمة الأولويات.
فما أثاره الصحفي الطاهر ساتي في كتابات سابقة حول رواتب ومخصصات بعض القيادات المالية والمصرفية يكشف أن قضية الأجور والمخصصات المرتفعة ليست جديدة في السودان، وأن السؤال حول الفارق بين ما تحصل عليه القيادات وما يحصل عليه العاملون في القطاعات الحيوية ظل حاضرًا منذ سنوات.
المشكلة إذن ليست في راتب مدير أو حافز موظف في حد ذاته؛ فمن حق كل عامل أن يحصل على أجر عادل وفق القانون. المشكلة في المعيار. إذا كانت هناك موارد تكفي لمخصصات استثنائية، فلماذا لا تكفي موارد الدولة للوفاء بحقوق المعلمين وتحسين أجورهم؟
وإذا كان بند «الكوارث» يسمح بصرف مليارات في زمن الحرب، فمن حق المعلم أن يسأل أليست ظروفه المعيشية واحدة من كوارث هذه الحرب الدولة لا تُقاس فقط بما تدفعه، وإنما بمن تعطيه الأولوية. والتعليم ليس بندًا هامشيًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب؛ بل هو إحدى أدوات الدولة للبقاء وإعادة البناء. لذلك فإن قضية المعلمين تتجاوز المرتب والحافز. إنها سؤال عن قيمة الإنسان في سلم أولويات الدولة. وإذا صح ما ورد في بيان لجنة المعلمين، فإن المطلوب ليس الغضب وحده، وإنما الشفافية مستندات، وأرقام، ومراجعة، ومساءلة.
فـالمال العام ليس مال وزارة المالية، ولا مال الوزير، ولا مال أي مؤسسة؛ إنه مال الشعب. والمعلم، الذي يُطلب منه دائمًا أن يصبر، يستحق هذه المرة أن تسأله الدولة أولًا كم صبرًا يستطيع أن يحتمل؟
