من قلب الخرطوم، تلك القلعة الشامخة التي استعادت أنفاسها ووقفت مجدداً على قدميها بفضل دماء الرجال الطاهرة وعزيمة الأبطال التليدة، انطلقت رحلتنا جنوباً. لم تكن مجرد رحلة عبر جغرافية سودانية متألمة، بل كانت شهادة توثيقية حية تتبع أثر الخراب والرجاء في آن واحد، وترصد ملهمات الصمود وشواهد الشرف.
عبر الطريق الممتد من العاصمة الثائرة، مروراً بقلعة الصناعة “جياد”، وصولاً إلى تخوم ولاية النيل الأزرق المعطاءة، تقف الشواهد الشاخصة ناطقة بما جرى. لم يترك القصف الغاشم والنهب الممنهج شيئاً على حاله؛ فالمؤسسات الحيوية، والمنازل الآمنة، والمتاجر شهدت دماراً شاملاً ألحقته ميليشيات الدعم السريع بالبنية التحتية وممتلكات المواطنين العزل. وقد وثق الناشطون والأهالي عبر منصات التواصل الاجتماعي مشاهد صادمة تدمي القلوب لما تكبده المواطن الشريف من شظف العيش، والتنكيل الممنهج، وسلب أبسط مقومات الحياة الإنسانية.
وفي أطراف القرى والبلدات الممتدة على هذا الشريط الأبيّ، كان اللقاء بسكان تلك المناطق من الشرفاء البسطاء الذين تحملوا بصلابة جبال التاكا وعزم السمر عبء هذه الحرب المفرروضة. وعند الحديث معهم، تكررت على ألسنتهم جملة واحدة تختصر الموقف وتحدد البوصلة: “كنا وما زلنا نبحث عن القوات المسلحة”. وحين سألناهم عن السر وراء هذا الانحياز العفوي، جاءت الإجابة صادقة ومدوية من أعماق المعاناة: “نبحث عن الأمن والأمان، فالأرض التي ترفرف عليها راية قواتنا المسلحة هي العرين الوحيد الذي نأمن فيه على أرواحنا وأعراضنا وأطفالنا”. فالميليشيا الغاشمة لا تجيد سوى نهج السلب والتجريد، وإن لم تجد ما تسلبه، كان القول الفصل لرسائل القتل والإرهاب والدمار.
واصلنا البحث واللقاءات الميدانية المستمرة مع المواطنين الصامدين من الخرطوم وصولاً إلى عمق ولاية الجزيرة الخضراء. وعند المرور بمدينة “فداسي الحليماب” – مسقط رأس القيادي السياسي خالد عمر يوسف (سلك) – تكشفت ملامح تحول جوهري وزلزال في الرأي العام؛ حيث أعلن الأهالي جهاراً وبصوت واحد كفرهم المطلق بأحزاب “قحت” ومسارات “الاتفاق الإطاري” الشؤوم، التي يرى الشارع أنها كانت الممر الخفي والذريعة الأولى لهذا البلاء والخراب. بل وصل الأمر بأحرار فداسي إلى التوعد الصريح والقاطع بأنه لن تطأ قدم خالد سلك تراب مدينتهم، ولن يدخل أرض الوطن وهم على قيد الحياة.
وفي تلك النواحي المجيدة، بين فداسي الحليماب وفداسي العماراب وامتداداً إلى أهالي ود مدني الصامدة، ارتفعت الموازين وانجلت الحقيقة الناصعة كشمس النهار. لم نجد هناك إلا إنساناً سودانياً أصيلاً متمسكاً بأرضه، يمجد جيشه الوطني، وترتفع كفوفه بالدعاء والابتهال لرب السماء أن يحفظ القوات المسلحة السودانية، ويثبت أقدام البواسل في ثغور العز والكرامة.
تجسد هذه المشاهد الميدانية الملحمية حقيقة الوضع الإنساني والسياسي على الأرض: واقعٌ يئن تحت وطأة النهب والتنكيل، وشارعٌ ثائر نفض يديه كلياً من السياسات العقيمة ورموز الخيانة، وشعبٌ يلتف بحرارة حول مؤسسته العسكرية الوطنية باعتبارها السياج المنيع، والملاذ الأخير، والصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات.
