نقطة تفتيش
نادر عثمان الجميعابي
في أوقات الأزمات الشديدة، حين تتشابك خيوط المعاناة وتثقل كاهل الأسر، تبرز من رحم المجتمع السوداني المعطاء مبادرات استثنائية لا تكتفي بمسح الدموع، بل تعيد صياغة مفهوم التكافل الاجتماعي بروحٍ مفعمة بالنبل والمروءة. تأتي مبادرة “أَرِحْ الدُّكَّان” كواحدة من أبهى تجلّيات الإيثار الإنساني، متجاوزةً الأطر التقليدية للعمل الخيري لتتحول إلى ملحمة إنسانية يسجلها التاريخ بأحرف من نور.
نقطة فلسفة العطاء المباشر وصون الكرامة
إنّ ما يميّز هذه المبادرة المُلهمة هو تحوّلها جذرياً عن نمط الجود التقليدي؛ فإذا كان حاتم الطائي قد خُلّد في الذاكرة العربية لأنه كان يأتيه السائل فيقره، فإن قائد المبادرة فواز البعاتي وإخوانه قد أرسوا أدبيات جديدة في الإغاثة، شعارها البحث النشط عن المحتاج، وتتبّع مواطن العوز في كل شبر من أرض الوطن. هم لا ينتظرون أن يطرق المحتاج أبوابهم، بل يجوبون الآفاق عبر الفضاء المفتوح وشبكة مناديبهم المخلصين، ليصلوا إلى الأسر المتعففة في منازلها دون تمييز عرق أو جهة أو دين.
تسلّحت المبادرة بمنهجية ذكية تبدأ من “دفتر الدكّان” — ذلك السجل الاجتماعي الملائم لكرامة الفقراء — لتصفية ديونهم وإزاحة الهموم عن كاهلهم دون تجريح لمشاعرهم أو إفصاح عن أسمائهم.
منظومة شاملة للتنمية الشاملة والشفافية
لم تتوقف “أَرِحْ الدُّكَّان” عند حدود الدعم المالي التكتيكي أو تصفية الديون الصغيرة، بل اتسعت رؤيتها لتصبح مظلة صحية وتنموية متكاملة؛ امتدت أيدي صُنّاعها لتغطي تكاليف العمليات الجراحية الحرجة لمن عجزوا عن سدادها، وتأمين تشغيل مراكز غسيل الكلى بالطاقة الشمسية، وتوفير شريان الحياة للقرى النائية بتوصيل مياه الشرب، فضلاً عن إيواء الأسر التي بلا سقف، وإقامة مشاريع إنتاجية صغيرة تمكّن المحتاجين من كسب عيشهم بالحلال.
وبأعلى درجات الشفافية والمسؤولية الأخلاقية، استثمرت المبادرة تقنيات التواصل الرقمي والبث المباشر لتصل بين قلوب الملايين وتوثق لحظات الفرج بحضور المشتركين والمساهمين. ومن بضعة أفراد في بدايتها، اتسعت المبادرة لتضم أكثر من 1,300 مساهم، يقودهم رجال ضربوا أروع الأمثلة في الثبات والعطاء، وعلى رأسهم فواز البعاتي ورجال ساندوه كـ (أبو مدين، خالد عبد الفتاح، محمد الطيب، ضمرة، تحاميد، والقائمة تطول)جمعهم حب الخير والعطاء بلا من .
نقطة اخيرة
ملحمة وطنية تُستوجب الدعم
إنّ مشاهدة هذه الملحمة الإنسانية وتتبع تفاصيلها لا يملك معها المتابع إلا أن تدمع عيناه فخراً وإعزازاً بجدائل النخوة السودانية التي تجلت في أبهى صورها. إن “أَرِحْ الدُّكَّان” ليست مجرد اسم لعمل خيري، بل هي جرعة أمل وطاقة إيجابية تُعيد الثقة في معدن هذا الشعب الأصيل. وهي دعوة مفتوحة لكافة أبناء الوطن في الداخل والمهاجر للمشاركة والالتفاف حول هذا المشروع القومي الشامل، لتتسع دائرة العطاء ولتظل راية المروءة خفاقة في كل بيت سوداني.
مبادرة ارح الدكان لكم ترفع القبعاة ويضرب لكم تعظيم سلام
و”نتمردق شكرا”
والله جد
