إن ما يسمى زوراً بالشفاعة في عرف الإدارة السودانية ليس سوى محاباة وقحة واستغلال سافر للنفوذ يمثّلان خيانة صريحة للأمانة، واعتداءً سافراً على لوائح التخديم ومعايير الجدارة. فعندما تُسند الوظيفة العامة لمن لا يستحق على حساب أصحاب الحق والتأهيل، وقتها لا نكون أمام تجاوز إداري محدود ، وإنما أمام عملية تخريب وتعطيل ممنهجة لمؤسسات الدولة، حيث يُذبح التنافس الشريف على مذبح القرابة والمحسوبية، وتُسحق طاقات الأكفاء تحت وطأة العلاقات والوساطات.
تتجاوز هذه الظاهرة كونها مظلمة فردية لتصبح نزيفاً كبيراً ومباشراً للاقتصاد الوطني ، إذ تُقدر التقارير والمسوح الإدارية أن الفساد المحسوبي والاستغلال الوظيفي يقتطعان ما يزيد عن 30% إلى 40% من كفاءة الإنتاجية في المرفق العام، ويوجدان حالة من البطالة الهيكلية المقنعة التي تحول المؤسسات الخدمية إلى دواوين مترهلة ووحدات بلا عطاء. يتجلى هذا النموذج الشاخص في قطاعات حيوية كالكهرباء والطاقة أو الهيئات الاقتصادية؛ حيث أدى تعيين الكوادر الإدارية والتنفيذية بناءً على القربى والنفوذ لا التخصص والخبرة إلى صفقات معيبة، وإدارات عاجزة عن الصيانة والتخطيط الاستراتيجي، مما أدى لتردي الخدمات ومضاعفة ديون الخزانة العامة ومليارات الدولارات من الخسائر التراكمية.
وعلى الصعيد الاجتماعي والتنموي، تزرع المحسوبية شعوراً بالغبن واليأس في نفوس الشباب وخريجي الجامعات الذين تتجاوز معدلات البطالة بينهم مستويات قياسية، وتكرس الطبقية النفعية، مما يُفكك النسيج الاجتماعي ويُضعف الانتماء الوطني. وحين يوقن المواطن أن المعرفة والجهد لا قيمة لهما أمام النفوذ والمصاهرة، تنعدم ثقته في مؤسسات الدولة والعدالة، ويصبح خياره الإجباري هو هجرة العقول—حيث تشير التقديرات إلى نزيف آلاف الكفاءات والعلماء والأطباء سنوياً للخارج—مما يُفرغ البلاد من طاقتها الحية ويترك الإدارة العامة رهينة للعجز والجمود.
إن اقتلاع هذا الداء من جذوره واستعادة هيبة الخدمة المدنية في السودان ليسا خياراً تنظيمياً تحسينياً، وإنما ضرورة لوجود الدولة واستمرارها. ولن يتأتى ذلك إلا بإخضاع منصات التعيين والترقي لمعايير صارمة من الشفافية والتنافس الحر، وتجريم الاستغلال الوظيفي، لتصوير “الواسطة” على حقيقتها: جريمة في حق الوطن، وسرقة موصوفة لفرص أجياله.
