تصريحات نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار للجزيرة تتجاوز نقل الموقف الحكومي من المبادرة الأمريكية أو شروط التفاوض ، لتفتح سؤالاً جوهرياً في المشهد السوداني ، كيف تنتهي الحرب دون إعادة إنتاج أسبابها ، ودون أن يشعر المواطن الذي دفع ثمنها بأنه جرى تجاوزه عند رسم مستقبل البلاد؟ عقار أكد أن الخيار حالياً هو الحسم العسكري ما لم تتوافر شروط جدية للتفاوض ، واشترط انسحاب قوات المليشيا من المدن والمناطق السكنية قبل بدء التفاوض ، مع بحث بقية القضايا بعد الانسحاب وتجميع القوات في مناطق محددة ، وهي شروط منبر جدة التي رفضتها المليشيا ، مؤكداً في الوقت ذاته انفتاح الحكومة على الحوار والمبادرات التي تحفظ وحدة الدولة ومؤسساتها.
هذه الرسائل لا يمكن فصلها عن الشارع السوداني ، فالمواطن الذي دفع ثمن الحرب قتلاً ونزوحاً وتشريداً وفقداناً للممتلكات وانهياراً للخدمات وتدميراً للمدن والقرى ، لا ينظر إلى التسوية كمصطلح سياسي ، بل يسأل ماذا بعد الحرب؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وكيف تحفظ كرامة الضحايا؟ ومن يملك الحق في العودة إلى المشهد السياسي؟
السودانيون يريدون السلام والأمان ، لكنهم لا يريدون سلاماً يعيد إنتاج أسباب الحرب ، ولا تفاوضاً يعيد تدوير المشهد الذي سبقها ، أو يعيد إلى السلطة والقوة من كانوا سبباً في المأساة أو شاركوا في صناعتها أو ساندوا مشروعها من السودانيين ، فرفض عودة هؤلاء إلى المشهد ليس رفضاً للسلام ، وإنما رفض لإعادة إنتاج الوضع الذي قاد إلى الحرب.
الشعب السوداني يريد دولة واحدة ، وجيشاً وطنياً واحداً ، وسلاحاً تحت سلطة الدولة ، ومؤسسات لا تُختطف لصالح جماعات أو تنظيمات ، وعدالة لا تستثني أحداً ، ومشهداً سياسياً جديداً لا تكون فيه الوجوه والقوى التي ساهمت في صناعة الأزمة هي نفسها من تتولى رسم المستقبل ، يريد دولة تستوعب الجميع ، لكنها لا تكافئ من حملوا السلاح ضدها أو مهدوا له الطريق سياسياً ، ويريد مصالحة وطنية لا تعني محو الذاكرة أو إسقاط المسؤولية.
وهنا ينبغي أن تدرك الحكومة أن المواطن لا يطالب باستمرار الحرب إلى ما لا نهاية ، لكنه في الوقت ذاته لا يريد تسوية تمنح مكافآت سياسية لمن تسببوا في المأساة ، فالفرق كبير بين رفض السلام ورفض سلام بلا ضمانات ، وبين المصالحة وإعادة تدوير الأزمة ، فالمصالحة الحقيقية تبدأ باستعادة الدولة وجبر الضرر وتحقيق العدالة وضمان عدم تكرار الحرب.
ومن هنا فإن مسؤولية الحكومة في أي تفاوض قادم لا ينبغي أن تتوقف عند التفاوض باسم الدولة ، بل يجب أن تحمل معها رؤية المواطن ومخاوفه وآماله ، فالمواطن الذي فقد منزله أو أحد أفراد أسرته أو مصدر رزقه لا ينبغي أن يكون آخر من يُستشار في السلام ، والذي عاش تفاصيل الحرب لا يجوز أن تُرسم ملامح المستقبل بعيداً عن رؤيته.
وإذا كانت الحرب قد فرضت على السودانيين واقعاً لم يختاروه ، فإن السلام يجب أن يعيد إليهم حقهم في اختيار مستقبلهم ، ولهذا يصبح حديث عقار عن العدالة مهماً ، فالعدالة ليست نقيضاً للسلام ، والسلام ليس مبرراً لإلغائها ، والمطلوب ليس الانتقام وإنما المساءلة ، وليس فتح أبواب الثأر وإنما إغلاق أبواب الإفلات من المسؤولية عبر مؤسسات العدالة.
كما أن أي تسوية سياسية يجب ألا تتوقف عند وقف القتال ، بل أن تضع أساساً لمرحلة انتقالية تؤسس لدولة مستقرة ، وتعيد بناء المؤسسات ، وتوفر الأمن ، وتنتهي إلى انتخابات حرة يختار فيها الشعب من يحكمه ، فالسودان لا يحتاج إلى انتقال جديد يعيد إنتاج الصراع على السلطة ، وإنما إلى مرحلة تؤسس لمستقبل مختلف عن الماضي.
أما المبادرات الخارجية فيجب أن تظل مساعدة للسودانيين لا بديلاً عنهم ، وأن يكون معيارها إنهاء الحرب بصورة مستدامة ، وحماية المدنيين ، وحفظ وحدة السودان وسيادته ، وإعادة الدولة إلى كامل أراضيها ، ومنع إعادة إنتاج المليشيات والجيوش الموازية.
وسط كل هذه الحسابات السياسية والعسكرية والإقليمية ، تبقى الحقيقة الأهم أن المواطن السوداني هو صاحب الذاكرة الأطول ، لن ينسى من وقف معه ، ولن ينسى من تركه ، ولن ينسى من ساهم في مأساته ، ولن يقبل بسهولة أن يرى الوجوه ذاتها تعود إلى المشهد تحت عناوين جديدة ، ولذلك فإن أي حديث عن المصالحة لا ينبغي أن يتحول إلى صفقة بين النخب أو وسيلة لإعادة تدوير القوى التي صنعت الأزمة.
السؤال الحقيقي إذن ليس هل يتفاوض السودانيون أم لا؟ بل على أي أساس يتفاوضون ولصالح من؟ إذا كان التفاوض سيؤدي إلى وقف الحرب ، وحماية المدنيين ، وانسحاب المليشيا من المدن والمناطق السكنية ، وتجميع السلاح خارج المدن ، وإعادة بناء الدولة ، وتحقيق العدالة ، ثم الانتقال إلى انتخابات ، فإنه يصبح طريقاً لإنقاذ السودان ، أما إذا كان سيعيد إنتاج موازين القوة التي صنعت الحرب ، أو يمنح من تسببوا فيها أو ساندوها موقعاً جديداً دون مراجعة ، فإنه لن يكون سوى هدنة سياسية قابلة للانفجار من جديد.
السودانيون لا يريدون حرباً بلا نهاية ، لكنهم أيضاً لا يريدون سلاماً بأي ثمن ، يريدون سلاماً يحفظ الدولة ، وعدالة لا تنتقم ، ومصالحة لا تعني النسيان ، وانتقالاً لا يعيد إنتاج الأزمة ، وانتخابات تمنح الشعب حقه في اختيار من يحكمه ، والأهم أنهم يريدون مشهداً سياسياً جديداً لا يكون فيه من تسببوا في الحرب ومن ساندوها هم أنفسهم من يتولون رسم مستقبل السودان.
فالسلام الذي لا يضع المواطن وكرامته وتضحياته في مركزه سيظل اتفاقاً بين أطراف ، أما السلام الذي يحمل ذاكرة الشعب وآماله ويحفظ حقه في اختيار مستقبله ، فهو وحده القادر على أن يتحول من مجرد وقف للحرب إلى بداية حقيقية للسودان الجديد…لنا عودة.
