الأربعاء, أغسطس 19, 2026
الرئيسيةمقالاتالصراع السياسي و صناعة الدولة العميقة. ...

الصراع السياسي و صناعة الدولة العميقة. بقلم/ زين العابدين صالح عبد الرحمن

إذا رجعنا إلي تاريخ النظم السياسية و الثورات و الانتفاضات في السودان، نجد أن النظام السياسي الذي تعاهدت عليه القوى السياسية بعد الاستقلال هو النظام الديمقراطي الموروث من الحكم الاستعماري، لكن أرادت القوى السياسية في ذلك الوقت أن يستمر حفاظا على استمرار ممارسة الديمقراطية. و باعتبارها الطريق الذي اعتقدت سوف يجذرها في المجتمع ينتج ثقافة ديمقراطية، و حتى بعد ما طلب رئيس الوزراء من قيادة الجيش استلام السلطة، و حدث تغييرها بعد ست سنوات، لم يظهر مصطلح الدولة العميقة، و بعد إنتفاضة إبريل أيضا ظهر المصطلح ،و لكنه لم يستخدم بكثافة في الخطاب السياسي.. و ظهر المصطلح بقوة في الخطاب السياسي دون أن يحمل تعريفا محددا بعد ثورة ديسمبر 2018.. البعض يعتقد الدولة العميقة هي العمالة المنتمية للحركة الإسلامية في المؤسسات المختلفة. و البعض الأخر يعزي المسألة للقوى المناهضة للثورة و غيرها..

هل شرعت قيادة انقلاب الجبهة الإسلامية في 30 يونيو 1989م منذ البداية أن تؤسس للدولة العميقة؟ أم جاءت عبر المراحل السياسية التي مر بها الحكم؟ و أثر ذلك على الحركة الإسلامية نفسها في تاريخ مراحل تطور نظامها السياسي؟ و انعكاس ذلك في السياسة العامة للدولة ما بعد ثورة ديسمبر 2018م حتى اليوم؟

انقسمت القيادة التنفيذية و السياسية للحركة الإسلامية بعد الانقلاب إلي، مجموعة أوكلت لها قيادة السلطة التنفيذية، و كان على رأسها مجلس قيادة الثورة العسكري مع مجموعة من القيادات السياسية.. و المجموعة الثانية هي القيادة السياسية التي يقع عليها عبء الاجتهاد الفكري و السياسي. و على رأس كل هؤلاء كان مجلس الشورى.. في خضم هذا العمل كان السؤال كيف تتم عملية حماية الانقلاب؟ و استمرار دولاب الدولة.. لتأمين الانقلاب.. لذلك تمت إحالة عشرا الألاف من العاملين في الخدمة المدنية للصالح العام، و أيضا في المؤسسات النظامية،.. لكن ظل سؤال يؤرق القيادة السياسية، هل كل هذه الإجراءات سوف تؤمن من ردة فعل عكسية تطيح بالانقلاب؟. لذلك بدأ التفكير كيف يتم استقطاب آخرين من خارج منظومةالحركة الإسلامية لكي تصبح جزءا من العملية السياسية..

جاءت القيادة السياسية للحركة بفكرة ” نظام المؤتمرات الشعبية” و قررت أن تضم عمال و مهنيين و رجال طرق صوفية و إدارة أهلية و غيرها.. و في مرحلة لاحقة بدأت فكرة الاستفادة من هذا الجمع في تنظيم ” مؤتمر الحوار السياسي” و كانت القيادة السياسي للحركة الإسلامية تغذي المجموعة بالأفكار، و الشعارات المطلوبة، حتى وصلت بهم الفكرة بأهمية تأسيس حزب سياسي، فكانت ولادة ” المؤتمر الوطني” الذي فتح الطريق للشروع في تأسيس “مجلس تشريعي” و بعد ذلك بدأت مرحلة وضع أساس الدولة العميقة، حيث تقلد على عثمان محمد طه وزارة التخطيط الاجتماعي التي بدأت ترسم التصور الإستراتيجي للدولة الجديدة التي تريدها الحركة الإسلامية، من خلال الممارسة التنفيذية و السياسية، ثم بدأ المجلس التشريعي يصدر القوانين المطلوبة من أجل تأسيس الدولة.. فالقوانين هي التي تدير الخدمة المدنية و العسكرية غض النظر عن هوية العاملين في تلك المؤسسات..

إن الصراع تحول من مواجهة للقوى السياسية المعارضة إلي صراع على السلطة داخل منظومة الحركة الإسلامية نفسها.. حيث تم أختيار غازي صلاح الدين أمينا عاما للمؤتمر الوطني آواخر التسعينات قبل المفاصلة. و في تلك الفترة سقطت طائرة نائب الرئيس الزبير محمد صالح و تم اختيار على عثمان لكي يكون نائبا للرئيس.. أيضا بدأ الدكتور الترابي يتحدث عن فتح الباب للقوى السياسية.. اعتبرت بعض القيادات أن فكرة الترابي سوف تجهض القواعد التي شيدوها لدولتهم.. لذلك جاءت ” مذكرة العشرة” لكي تدافع عن الدولة العميقة و العشرة هم ” غازي صلاح الدين العتباني و أحمد علي الإمام و سيد الخطيب و نافع علي نافع و بهاء الدين حنفي و حامد تورين و إبراهيم أحمد محمد و عثمان خالد مضوي و بكري حسن صالح و علي أحمد كرتي.. هذه المذكرة كان الهدف منها خلق قيادة جديدة للحركة الإسلامية و السلطة التنفيذية على أن يرأس الأثنين رئيس الجمهورية.. الأمر الذي أدى للمفاصلة و خرج عراب الحركة الإسلامية و المجموعة التي كانت تقف معه..

الصراع داخل الحركة الإسلامية و خروج الدكتور الترابي من منظومة الحكم.. خلق الريبة في نفوس مجموعة العشرة، و رئيس الجمهورية لذلك أرادوا أن يجردوا الترابي من أية تحالفات يمكن أن ينضم إليها، البداية كان الاتصال بالشريف زين العابدين الهندي و مجموعات حزب الأمة عبد الله مسار و بابكر نهار و غيرهم.. في تلك الفترة جاء غازي صلاح الدين للقاهرة و قدم محاضرة عن الديمقراطية و نقد فيها ديمقراطية “ويست منيستر” و قال لابد من البحث عن ديمقراطية يتفق عليها.. كانت مشاركة القوى السياسية في نظام الانقاذ مشاركة صورية كمؤسسات حزبية و لكنهم غير مشاركين في صناعة القرار.. و مشاركة في المجلس التشريعي ” البرلمان” دون أثر لهم في صناعة التشريعات..

عندما قامت ثورة ديسمبر 2018م لم يكن عند القيادات السياسية تعريف واضح بالدولة العميقة.. و نظام حكم استمر 30 عاما لابد أن يخلف دولة عميقة… كان يجب على القيادات الجديدة أن تعرف ماهية الدولة العميقة.. فقط هم نظروا إليها من ناحية شاغلي الوظائف.. و هؤلاء أغلبيتهم ليس أعضاء في الحركة الإسلامية.. المشكلة التي تجعل الدولة العميقة تستمر و بقوة هي التشريعات.. إن الإنقاذ في 30 سنة أنتجت كمية كبيرة جدا من التشريعات التي أرادت أن تدير بها الدولة، هذه التشريعات كان لابد من إعادة النظر فيها، و السؤال هل تلك التشريعات تتلاءم مع النظام الديمقراطي أم لا؟ و هل سوف تمنع الفساد أم سوف يستمر الفساد من خلال سياسات التجنيب التي جاءت بها الإنقاذ؟

إن الجهة التي كان سوف يقع عليها عبء إزالة الدولة العميقة هو ” المجلس التشريعي” للأسف أن القيادات السياسية وقفت عند إخلاء الوظائف لكي توطن فيها عضويتها، و هذا النهج يدعم بقاء الدولة العميقة و لا يزيلها.. و القيادات خافت من محاسبة المجلس التشريعي لها، لذلك ظلت الدولة العميقة باقية بكل تشريعاتها التي يلتزم بها الموظف العمومي و كل مؤسسات الدولة.. و تحول مصطلح الدولة العميقة إشارة إلي ” الكيزان” الأمر الذي يؤكد الغفلة السياسية، و عدم الوعي بعملية التحول السياسي.. نسأل الله حسن البصيرة..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات