الخميس, أكتوبر 1, 2026
الرئيسيةمقالاتمن يستورد وقود السودان وخبزه؟ بين احتكار لا تقدر عليه الدولة وسوق...

من يستورد وقود السودان وخبزه؟ بين احتكار لا تقدر عليه الدولة وسوق يحكمها الريع وليد دليل .. خبير مصرفي


السؤال عن سبب عدم احتكار الدولة لاستيراد الوقود والقمح يبدو بسيطاً، لكن جوابه يبدأ من حقيقة لا تقال كثيراً: الاحتكار ليس قراراً إدارياً بل قدرة مالية، والدولة التي لا تملك الدولار لا تملك احتكار ما يُشترى به. فالسودان، بحسب ما أقرّ به وزير المالية، فقد إنتاج النفط كلياً مع سيطرة الدعم السريع على مواقعه في غرب كردفان، وصار يعتمد على استيراد الوقود بالكامل، ويرى بعض المحللين أن البلاد تحوّلت من تكرير نحو 70% من وقودها محلياً إلى اعتماد يتراوح بين 80 و90% على الاستيراد. وفي عام 2025 استوردت البلاد وقوداً بنحو 975 مليون دولار لتسعة أشهر فقط، أي ما يقارب 1.3 مليار دولار على أساس سنوي إن استمر المعدل. وبين رقم كهذا وعائد صادر ذهب رسمي لا يتجاوز 1.5 مليار دولار، يتضح أن فاتورة الوقود وحدها تكاد تلتهم عائد أهم صادرات البلاد.
وفي القمح الصورة مشابهة. فقد استهلك السودان قبل الحرب نحو 2.9 مليون طن سنوياً بحسب تقرير أممي صدر في 2020، غطى الإنتاج المحلي منها نحو الربع فقط، واستورد في 2019 قرابة 2.7 مليون طن من القمح والدقيق بنحو 1.1 مليار دولار وفق بنك السودان. ومع الحرب وتعطل الري وفقدان مناطق الإنتاج، يقول تقرير حديث إن السودان صار يستورد أكثر من 80% من قمحه. فنحن إذن أمام سلعتين تستنزفان معاً ما بين 2.4 و3 مليارات دولار سنوياً، في بلد لا يدخله رسمياً من الذهب أكثر من 1.5 مليار.
وهنا جوهر الإجابة: حين تحتكر الدولة، عليها أن تشتري بدولارات مضمونة وتبيع بجنيهات متهاوية، فتتحمل فرق الصرف وتمويل العجز. أما القطاع الخاص فيشتري دولاره من السوق الموازي ويحمّل الكلفة للمستهلك. ولذلك قفز سعر الدولار الموازي من نحو 4 آلاف جنيه إلى نحو 8200، وتضاعف سعر جالون البنزين من 20 ألفاً إلى 40 ألف جنيه، مع تقطّع التوافر. وهذا بالضبط ما قصده وكيل وزارة الطاقة عندما قال إن لجوء المستوردين إلى السوق الموازي لشراء ملايين الدولارات كان «مضخة هدم» لقيمة الجنيه، وإن الاستيراد الحكومي عبر القنوات الرسمية سيحوّل الطلب العشوائي إلى طلب منظم ويحرم المضاربين من أكبر كتلة نقدية كانوا يقتاتون عليها.
ومع ذلك لم تقدم الدولة على الاحتكار الكامل، بل اختارت صيغة وسطى مرتبكة. ففي مارس 2026 أصرت وزارة الطاقة على أن تستورد الشركات الحكومية نصف الاحتياجات، وتتجمع الشركات الخاصة في مجموعات لتغطية الباقي، فاستوفت ثلاثون شركة الشروط في خمس مجموعات، دون توافق كامل بين الجانبين. ثم جاءت أزمة الصفوف فأعلن مجلس الوزراء دخول الحكومة مباشرة في الاستيراد، وعزا مسؤول الوزارة الأزمة إلى إخلال شركات خاصة بمواعيد تفريغ الشحنات. وهذا يكشف مأزقين متقابلين: دولة لا تملك التمويل والأسطول والمستودعات الكافية لتحل محل السوق، وسوق لا تثق بها الدولة لأنها تقوم على عقود غير منضبطة وأسعار صرف مزدوجة.
أما لماذا فُتحت الشغلانية لمن يسمّيهم الناس مافيا الوقود، فالإجابة تكمن في الريع الناتج عن الفوارق. فحيث يتعدد سعر الصرف وتتفاوت أسعار الشراء والبيع، وتُمنح التصاديق بالمجموعات، تنشأ فرص الربح من الاقتراب من القرار لا من الكفاءة. وقد لاحظت وزارة الطاقة نفسها في فبراير الماضي ارتفاعاً كبيراً في إنشاء محطات ومستودعات الوقود وتزايد شركات الاستيراد، مع بيع الوقود بمبالغ وصفتها بالفلكية. وأفاد مقال منشور بأن النظام يمنح تصاديق لشركات صغيرة لا تملك محطات ولا مستودعات، وهو ما يفتح الباب لوسطاء يتقاضون ريعاً دون استثمار حقيقي. وليس الأمر خاصاً بالسودان، فمن يملك الدولار في اقتصاد شحيح العملة يملك السلعة.
ولا يعني هذا أن الاحتكار الحكومي هو الحل. فالتجارب، ومنها تجربة مصر التي تستهدف تأمين نحو 8.6 مليون طن قمح للخبز المدعوم عبر هيئة السلع التموينية مع توريد محلي يتجاوز 4.7 مليون طن، تنجح حين تتوافر ثلاثة شروط: تمويل مستقر، وإنتاج محلي يخفف الاعتماد، وإدارة شفافة. والسودان يفتقر اليوم إلى الثلاثة. فالاحتكار بلا هذه الشروط يستبدل ريعاً بريع، ويحوّل المضاربة من تجار إلى موظفين ونافذين.
الحل الأقرب أن تحتكر الدولة ما تستطيع احتكاره بكفاءة: التمويل والعقود الكبيرة والتخزين الاستراتيجي، على أن تدخل عبر مناقصات شفافة بسعر صرف واضح وموحد ومنافذ توزيع رقمية تُتابَع من الشحنة إلى المحطة، وتُنشر أسماء المستوردين وكمياتهم. فالمشكلة في جوهرها ليست من يستورد، بل بأي دولار يستورد وبأي سعر يبيع ومن يراقبه.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات