ليست القضية في أن الرجل لواء معاش، ولا في أنه شغل في يوم من الأيام منصب معتمد، ولا في تاريخه العسكري أو الإداري فكل هذه الصفات لا تمنح صاحبها حصانة فوق القانون، ولا تجعل من رتبته السابقة سلطة مفتوحة على الناس والمؤسسات.
القضية، أكبر من خلاف عابر بين شخصين.
نحن أمام واقعة من ضابطاً برتبة لواء معاش، وأثناء جلسة لتصحيح الامتحانات، الطالب نجل اللواء اصدر ضجه أثناء جلسة الامتحان وهو يحمل هاتف وهذا مخالف مثله ومثل الاقتراب او التصوير في المناطق العسكرية فعاقبة المعلم بالجلد مماترك أثر على يده، اتصل الطالب لوالده وجاء وصفع المعلم بالكف وتدخل باقي المعلمين فاشهر اللواء سلاحة مهدد بالجميع باستخدام السلاح، ولانه هو معلم ومربٍ للأجيال لم يتعامل مع الموقف بردة فعل اللواء المتقاعد العنيفة، بالرغم من تطور الأمر إلى استخدام القوة البدنية وإشهار السلاح الناري في وجهه، وسط زملائه وتلاميذه.
وهنا يجب أن نتوقف طويلاً.
المعلم ليس خصماً يُرهب بالسلاح، والمدرسة ليست ساحة لتصفية الحسابات، وجلسة تصحيح الامتحانات ليست مكاناً لاستعراض القوة أو الرتب، فإن الأمر لا يتعلق فقط بإهانة موظف أثناء أداء واجبه، وإنما يتعلق بسلوك يمس هيبة الدولة نفسها لأن الموظف العام حين يؤدي عمله لا يؤدي خدمة شخصية لشخص بعينه، وإنما يؤدي واجباً تفرضه عليه مؤسسته والقانون.
والأخطر من ذلك أن الواقعة حدثت أمام زملائه وتلاميذه.
أي رسالة وصلت إلى هؤلاء التلاميذ؟
هل نريد أن نعلّم أبناءنا أن القانون هو المرجعية، ثم يرون بأعينهم أن الرتبة والنفوذ الاجتماعي يمكن أن يتحولا إلى وسيلة ضغط على المعلم؟
هل نربيهم على احترام المعلم، ثم نسمح بأن يُهان المعلم في مكان عمله؟
إن هيبة المعلم لا تُصان بالكلمات والخطب والمناسبات الاحتفالية، وإنما تُصان عندما يشعر أن الدولة تقف إلى جانبه إذا تعرض للاعتداء أو التهديد أثناء أداء واجبه.
ومن هنا فإن استنكار النقابات المهنية ونقابات التعليم، ليس دفاعاً عن شخص ضد شخص، وإنما دفاع عن مبدأ.
مبدأ أن المدرسة مكان العمل ويجب أن يكون آمناً.
ومبدأ أن السلاح لا ينبغي أن يكون لغة الحوار داخل المؤسسات المدنية.
ومبدأ أن المعلم، مهما كان الخلاف معه، له حقه الكامل في الكرامة والأمان أثناء أداء رسالته.
وفي الوقت نفسه، فإن العدل يقتضي ألا تتحول القضية إلى محاكمة إعلامية مسبقة. المطلوب ليس التشهير بأحد، ولا إصدار حكم قبل التحقيق، وإنما فتح تحقيق مهني وقانوني مستقل يستمع إلى جميع الأطراف، ويستمع إلى الشهود، ويراجع ما يمكن أن يتوافر من أدلة، ثم يقول القضاء كلمته.
فإذا ثبت فإن السؤال يصبح مشروعاً ومباشراً:
من يحاسب من؟
الرتبة العسكرية، لا تعني فوقية على القانون.
والمنصب الإداري لا يمنح صاحبه حصانة أبدية.
والتاريخ العسكري المحترم ـ إن كان للرجل تاريخ مشرف ـ لا ينبغي أن يكون سبباً لإسقاط المساءلة، بل على العكس فكلما ارتفعت مكانة الإنسان في المجتمع، ارتفعت معه مسؤولية السلوك والانضباط واحترام القانون.
ونحن في السودان أحوج ما نكون اليوم إلى ترميم الثقة في مؤسسات الدولة، وإلى إعادة الاعتبار للمعلم والموظف والطبيب والمهندس وكل صاحب مهنة يؤدي واجبه في ظروف بالغة الصعوبة.
لا نريد دولة يخاف فيها الموظف من صاحب النفوذ.
ولا نريد مدرسة يخشى فيها المعلم من صاحب الرتبة.
ولا نريد مجتمعاً تصبح فيه المسدسات بديلاً عن الحوار.
نريد دولة يكون فيها الجميع تحت سقف القانون.
وإذا كان هناك خطأ، فالقانون هو الطريق.
وإذا كان هناك تجاوز من اللواء، فالقانون هو الطريق.
أما القوة والسلاح والتهديد، فلا ينبغي أن تكون طريقاً لحل أي خلاف داخل مؤسسة تعليمية أو غيرها.
إن احترام القوات النظامية لا يعني السكوت عن أي فرد يسيء استخدام صفته أو مكانته، كما أن احترام المعلم واجب علينا. الجميع سواء أمام القانون، وهذه هي القاعدة التي لا تستقيم الدولة من دونها.
ولذلك فإن رسالتنا إلى الجهات المختصة واضحة:
افتحوا تحقيقاً شفافاً، احفظوا حق المعلم، استمعوا إلى الشهود، احترموا حق المتهم في الدفاع عن نفسه، ثم طبقوا القانون دون اعتبار للرتبة أو المنصب السابق.
فالمعركة الحقيقية ليست بين لواء ومعلم.
المعركة الحقيقية هي بين منطق الدولة ومنطق القوة.
وإذا انتصر منطق القوة داخل المدرسة، خسرنا شيئاً من هيبة التعليم، وإذا انتصر القانون، انتصر الوطن.
المعلم يُكرَّم لا لأنه أضعف من صاحب الرتبة، وإنما لأنه يؤدي رسالة لا تقل شرفاً عن الجندية أي رسالة وطنية أخرى.
وفي النهاية، تبقى كلمة واحدة:
لا أحد فوق القانون.. لا لواء، ولا معتمد سابق، ولا مسؤول، ولا موظف، ولا مواطن.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة
