هناك زيارات تبدأ من قاعةٍ وتنتهي بصورة، وهناك زيارات تبدأ من الناس.
والفارق بينهما أن الثانية لا تكتفي بأن تُرى، وإنما تحاول أن ترى.
في ولاية نهر النيل، جاءت زيارة وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الاتحادي معتصم أحمد صالح خلال ثلاثة أيام، حملت معها أكثر من ملف، وأكثر من مشروع، وأكثر من محطة؛ لكنها في جوهرها كانت تدور حول الإنسان.
إنسانٌ يحتاج إلى يدٍ تعينه، وآخر يحتاج إلى فرصة عمل، وثالث ينتظر خدمةً صحية، وأسرةٌ تبحث عما يسندها، وشابٌ يحتاج إلى أن يتعلم مهنة، وإنسانٌ خرج من السجن ويحتاج إلى فرصةٍ أخرى ليبدأ من جديد.
ومن هنا بدأت الحكاية.
لم يكن الوزير وحده في هذا المشهد؛ فقد كانت حكومة ولاية نهر النيل حاضرةً في استقبال الزيارة ومرافقة ملفاتها، وعلى رأسها والي الولاية د. محمد البدوي عبدالماجد أبوقرون، إلى جانب رئيس المجلس الأعلى للرعاية الاجتماعية بالولاية والجهات والمؤسسات ذات الصلة.
كان المشهد إذن بين طرفين يلتقيان عند قضية واحدة: كيف تصل الرعاية الاجتماعية إلى المواطن في مكانه، وكيف تتحول البرامج من قرارات وأرقام إلى أثرٍ يلمسه الناس؟
ومن الدامر بدأت التفاصيل تتكشف.
جاءت نفرة «ينابيع العطاء» عبر ديوان الزكاة، بما حملته من مشروعات تستهدف الفئات المحتاجة، ثم انتقل المشهد إلى التدريب المهني والتلمذة الصناعية؛ لأن الرعاية لا تعني دائمًا أن تمنح الإنسان ما يحتاجه اليوم، بل قد تعني أن تمنحه مهارة يستطيع بها أن يصنع يومه القادم.
ثم كان سجن الدامر محطةً مختلفة؛ حيث أصبح الحديث عن الإنسان أكثر قربًا من معناه الحقيقي، مع إطلاق سراح عدد من النزلاء، وما يرافق ذلك من مسؤولية إعادة الدمج ومنح الخارجين من السجن فرصةً للعودة إلى المجتمع.
وفي خلاوي الشروق، أخذت الرعاية شكلًا آخر؛ تعليمٌ، وطلاب، وسكن، ومشروع إنتاجي يحاول أن يجعل الخلوة مساحةً للتعلم والإنتاج معًا.
ثم اتسعت دائرة المشهد لتصل إلى الأسر الأكثر هشاشة عبر الدعم النقدي المباشر، قبل أن تنتقل الزيارة إلى ملف الصحة، بافتتاح المعمل المركزي للتأمين الصحي بعطبرة ومركز الشهيد أبو قصيصة للرعاية الصحية الأساسية ببربر.
كل محطة كانت تحمل وجهًا مختلفًا للرعاية، وكل مشروع كان يجيب عن احتياج مختلف.
لكن خلف هذه التفاصيل كلها كانت هناك أسماء تعمل في الميدان.
وزير اتحادي جاء بالملف من المركز إلى الولاية.
وحكومة ولاية فتحت أبوابها، واستقبلت الملفات، وتابعت تنفيذها.
ومؤسسات ووزارات ودواوين تحمل مسؤولية تحويل القرارات إلى برامج.
وفي النهاية، مواطن هو المستفيد الحقيقي، وهو أيضًا صاحب السؤال الأكبر: ماذا سيبقى بعد انتهاء الزيارة؟
هنا تبدأ قراءة الأيام الثلاثة بصورة مختلفة…
فالقيمة ليست في أن يزور المسؤول هذا الموقع أو يفتتح ذاك المشروع فحسب، وإنما في أن تتحول الزيارة إلى بداية عملٍ يستمر بعد مغادرة الوفد.
فالوزير له دوره، والوالي له دوره، والوزارات والمؤسسات لها دورها، لكن البطولة الحقيقية في النهاية يجب أن تصل إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية: الإنسان.
وفي نهاية المشهد، تبقى الرسالة أكبر من زيارة، وأعمق من مشروع، وأبقى من أرقامٍ تُكتب في تقرير.
أن تُصان كرامة الإنسان، وأن يجد المحتاج سندًا، والشاب فرصة، والمريض علاجًا، والأسرة طريقًا إلى الأمان.
فالدولة لا تُقاس فقط بما تفتتحه، وإنما بما تتركه في حياة الناس.
وفي نهر النيل، حيث يثقل الواقع وتضيق الإمكانات، تبقى المعركة الحقيقية هي أن يظل الإنسان في المقدمة؛ لا رقمًا في كشف، ولا اسمًا في قائمة، بل مواطنًا له حق في الحياة الكريمة، وله مكان في مستقبل هذا الوطن.
وهذه هي الرسالة التي تستحق أن تبقى بعد أن تنتهي الزيارة وتغادر الوفود:
أن لا يُترك إنسان خلف الركب، وأن تبقى كرامته هي الغاية الأولى لكل جهد.
فحين يكون الإنسان هو الغاية، يصبح لكل خطوة معنى، ولكل قلم مسؤولية، ولكل كلمة أمانة.
✍️….
سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان.
أنا الرسالة حين يضيع البريد..
أنا امرأةٌ من حبر النار.
✒️… عبير نبيل محمد
