إن المأساة التي كُتبت على جدران جبال النوبة لم تكن مجرد نتاج صراع سياسي عابر، بل كانت ملحمة من الوجع والجروح النازفة التي أثقلت كاهل إقليم بأكمله لعقود طويلة. العقود التي تجرّع فيها أهل هذه الأرض مرارة الظلم، والاستعباد السياسي، والوحشية المنظمة؛ حيث اختُطفت إرادة أبناء النوبة، وسُحقت أحلامهم المشروعة تحت وطأة سياسات التجويع والتهميش والإفقار الممنهج. بين تلك الكهوف والجبال الصامدة، عاش هذا الشعب الأبي في ظروف مأساوية تُشبه السجن المفتوح، حيث لم يُترك لنساء الإقليم والحرائر والأطفال والشيوخ سوى البكاء على الأطلال والحرمان من أدنى مقومات الحياة اليومية والتنمية والتعليم، في حين كانت ثروات الإقليم تُستنزَف بلا رحمة جهاراً نهاراً.
وفي قلب هذه التراجيديا الإنسانية، ظهر المتمرد عبد العزيز الحلو، الذي اتخذ من قضية جبال النوبة مطية لترسيخ سلطويته وتشييد إمبراطوريته الخاصة. بأسلوب دراكولي استنزافي، امتص الحلو دماء وموارد هذا الإقليم وشعبه الصابر، ممارساً عليهم أبشع أشكال الاستبداد الفردي والوصاية القسرية. لقد تاجر الحلو بآلام أهل النوبة، ورفع في وجوههم وفي وجه المركز شعارات براقة وزائفة ادعى فيها الدفاع عن حقوقهم، لكن الأيام والسنوات تكشفت عن حقيقة غائرة: كلمة باطل أريد بها حق، وغطاء أيديولوجي تُخبأ تحته أجندات مشبوهة وارتهانات أجنبية تخدم دوائر غربية واستعمارية، لا تروم سوى إبقاء الإقليم ساحة للصراع المستدام ونزيف الدماء المستمر.
ولم تقف المأساة عند حدود الاستنزاف الداخلي، بل تجاوزتها إلى ارتكاب خيانة العصر بحق شعب جبال النوبة، حين امتدت الأيدي الآثمة ليتحالف الحلو وتتقاطع مصالحه مع أفعى الدعم السريع ومرتزقتها. قام هذا الكيان باستيراد الأذرع السامة والأنياب الغادرة لمليشيا الدعم السريع التي تطايرت من أعين قياداتها علامات الغدر والخيانات، لتسفك دماء السودانيين وتستبيح القرى والأعراض. استكملت هذه القوة الغاشمة مخطط دويلة الخراب والشؤم، دويلة الدعارة والخمارة، دويلة الشر الإمارات، لعنة الله عليها، التي سخّرت أموالها ومواردها لتمويل الخراب في أرض السودان، ورهن مصير إقليم جبال النوبة لصالح محاور مشبوهة، تحاول سلب الإقليم ما تبقى من ثروات وإبقائه تحت عبودية المليشيات وسماسرة الحروب.
لكن من بين طيات هذا الكابوس المظلم، ومن قلب المعاناة التي ظن المستبدون أنها كفيلة بكسر إرادة هذا الشعب، بعثت أرض الجبال روحاً جديدة. كانت الصيحة الأولى والصرخة المدوية من شباب وشابات الأطورو والشواية، الذين يحملون همّ إقليمهم وثقل تاريخه فوق ثنايا قلوبهم. رفض شباب الأطورو أن يظلوا شهود زور على تدمير مجتمعاتهم، وانطلقوا في حراك ميداني هادر يعلن بداية الانعتاق والتطهر من رجس عبودية الحلو وزمرته. شُحذت الهمم، وتجمعت إرادة الأحرار لتأسيس حقبة ترفض المتاجرة بقضيتهم، وتصر على دحر المليشيات واسترداد الكرامة المسلوبة.
تلاحقت الأحداث وسرعان ما اتسعت رقعة هذه الثورة الشعبية لشتى ربوع جبال النوبة؛ فرسم المسلمون والمسيحيون لوحة ملحمية متماسكة، أعدوا فيها الصلوات والدعوات في المساجد والكنائس، يداً بيد وصادقين في العهد، من أجل الخلاص النهائي من هذا السرطان الذي استشرى في جسد الوطن. ولا يمكن في هذا المقام التغاضي عن الدور البطولي والنضالي للمرأة في جبال النوبة، والتي كان لها المعلى والقدح السبق في هذه الثورة المباركة ضد سلطان الشر والدمار. لقد برهنت كنداكات الإقليم على صمود استثنائي؛ بوجودهن الفاعل والمشرف في المقار والميادين، وقيادتهن لصفوف الرفض والوعي، ومشاركتهن في التعبئة والتنظيم جنباً إلى جنب مع الشباب والرجال، ليعلنّ سقوط الوصاية ورفض الاستعباد.
وامتد هذا الوعي الشامل ليحرّك كافة القوى والكيانات الوطنية والقيادات الأهلية والعشائرية ومختلف قبائل الإقليم الحية التي فضّت سامر الوصاية وأعلنت براءتها الكاملة من مشروع التمرد والارتهان. ولم يكن هذا الحراك الميداني معزولاً، بل اتصل بجهود مخلصة ومكثفة لرموز الإقليم وأبطاله في الداخل والخارج؛ حيث كان لقيادة مؤتمر جوبا، وشباب الإصلاح الهيكلي والتنظيمي، ومجمع الكنائس، والقطاعات النسوية والروابط الطلابية والشبابية، وكل الحادبين على ثورتهم، الدور البارز في تنظيم الصفوف، وهدم هياكل الوصاية الفردية، ووضع الرؤية الاستراتيجية لتصحيح المسار التاريخي للإقليم.
إن هذه التعبئة العارمة تؤكد اليوم رغبة عارمة لمجموعات وقطاعات واسعة من أبناء وبنات الإقليم في كسر العزلة المضروبة عليهم، والانعتاق نحو أفق جديد يكون فيه إقليم جبال النوبة زاخراً بالتنمية ومفتوح الذراعين للتكامل والانسياب مع بقية ولايات السودان، ومتوائماً كاملاً مع السلطة المركزية في الخرطوم في ظل الدولة الوطنية ومؤسساتها الرسمية. إن هذه الصرخة التي تهز أركان الجبال هي إعلان صريح بسقوط شرعية التمرد، ورسالة لكل دويلات الشؤم والخراب بأن إقليم جبال النوبة لن يكون بعد اليوم ساحة لنفوذ المرتزقة أو خزانة لنهب الموارد، بل سيبقى قلعة صامدة تتجه بثبات نحو السلام الشامل، والتنمية المستدامة، وبناء الوطن الواحد الموحد.
