في العلاقات الدولية، لا تُقاس أهمية الاتفاقيات الدفاعية بعدد البنود التي تتضمنها، بل بالتوقيت الذي تُوقَّع فيه، وبالرسائل التي تحملها، وبالتحولات التي تسبقها أو تمهد لها. ومن هذا المنطلق، تبدو اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان أكثر من مجرد إطار للتعاون العسكري؛ فهي تأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تعاد صياغة موازين القوى، وتراجع الدول حساباتها الأمنية في ضوء متغيرات متسارعة.
السؤال الأول الذي يفرض نفسه ليس ماذا تنص الاتفاقية؟ وإنما لماذا جاءت الآن؟
فالشرق الأوسط يعيش منذ سنوات مرحلة انتقالية تتسم بتراجع اليقين الاستراتيجي، وتداخل الصراعات العسكرية مع الحروب الاقتصادية والسيبرانية، وازدياد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات الإقليمية. وفي مثل هذه البيئات، يصبح من الطبيعي أن تبحث الدول عن توسيع دوائر الشراكة الأمنية، وبناء منظومات ردع أكثر مرونة واستقلالية.
لكن القراءة التي تذهب إلى أن السعودية تبحث عن بديل للولايات المتحدة تبدو متعجلة. فالتحالف السعودي الأمريكي لا يزال قائمًا على أسس عسكرية واقتصادية وسياسية راسخة، غير أن الرياض، مثل كثير من القوى الإقليمية الصاعدة، أصبحت تتبنى سياسة تنويع الشراكات، بحيث لا يبقى أمنها الوطني مرتبطًا بمصدر واحد للحماية أو بتحالف واحد مهما بلغت أهميته.
ولعل المتغير الأكثر لفتًا للانتباه هو دخول تركيا في هذا الإطار الدفاعي. فالعلاقات بين الرياض وأنقرة مرت قبل سنوات بواحدة من أصعب أزماتها عقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، حتى بدا آنذاك أن الثقة بين البلدين تعرضت لشرخ عميق. لكن السياسة لا تعرف الخصومات الدائمة، بل تحكمها المصالح والمتغيرات. واليوم، يبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة بأن تحديات الإقليم تتطلب تجاوز خلافات الماضي، وأن التعاون الأمني قد أصبح ضرورة أكثر منه خيارًا.
أما باكستان، فهي ليست عنصرًا جديدًا في المعادلة السعودية. فالعلاقات العسكرية بين البلدين تمتد لعقود، وشكلت إسلام آباد أحد أهم شركاء المملكة في المجال الدفاعي. الجديد هذه المرة هو انتقال التعاون من الإطار الثنائي إلى إطار ثلاثي يجمع بين الثقل الاقتصادي السعودي، والقدرات الصناعية والعسكرية التركية، والخبرة العسكرية الباكستانية، بما يفتح الباب أمام صيغة أمنية أكثر اتساعًا وتأثيرًا.
غير أن اتفاقية مكة لم تكن بداية هذا المسار، بل ربما كانت تتويجًا له.
فقد سبقتها بأسابيع اجتماعات رفيعة المستوى ضمت رؤساء أركان عدد من جيوش المنطقة في المملكة العربية السعودية، وهي اجتماعات ربما لم تحظ بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه، لكنها تحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية. فمن المعروف في العلوم العسكرية أن التحولات الكبرى في بنية التحالفات لا تبدأ عادة بالبيانات السياسية، وإنما تسبقها لقاءات بين القيادات العسكرية لرسم التصورات، وتوحيد الرؤى، وتقييم التهديدات، وبحث آليات التنسيق المشترك.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اجتماع قادة الأركان واتفاقية مكة باعتبارهما حلقتين في مسار واحد، لا حدثين منفصلين. فالاجتماعات العسكرية قد تكون مثلت مرحلة إعداد وتنسيق، بينما جاءت الاتفاقية لتوفر الإطار السياسي والقانوني لهذا التعاون، وهو ما يشير إلى أن الرياض تتحرك وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، لا كرد فعل مؤقت على أزمة عابرة.
وهنا يبرز السؤال الذي يشغل معظم دوائر التحليل هل تستهدف هذه الترتيبات إيران؟
من الطبيعي أن تتابع طهران هذه التطورات باهتمام، لأن أي منظومة دفاعية جديدة في محيطها ستؤثر، بصورة أو بأخرى، في معادلات الردع الإقليمي. لكن الجزم بأن الاتفاقية موجهة ضد إيران وحدها سيكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا. فمن المرجح أن أهدافها تشمل أيضًا حماية الممرات البحرية، وتعزيز أمن البحر الأحمر والخليج، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، ورفع جاهزية الدول المشاركة للتعامل مع سيناريوهات متعددة.
وفي هذا السياق، تبرز فرضية أخرى تتردد في الأوساط السياسية، مفادها أن المنطقة قد تكون على أعتاب مواجهة أمريكية إسرائيلية مع إيران. غير أن الوقائع المتاحة لا تسمح بالجزم بهذا السيناريو. فالتحالفات الدفاعية قد تُبنى استعدادًا للحرب، لكنها قد تُبنى أيضًا لمنعها. والردع، في الفكر الاستراتيجي، ليس مقدمة حتمية للصدام، بل قد يكون الوسيلة الأكثر فاعلية لتجنبه.
ولعل ما تكشفه هذه التطورات هو أن المملكة العربية السعودية لم تعد تكتفي بدور الدولة التي تستفيد من ترتيبات الأمن الإقليمي، بل تسعى إلى المشاركة في صياغتها. فاستضافة اجتماعات قادة الأركان، ثم الانتقال إلى اتفاقية دفاعية ثلاثية، يعكسان رغبة في أن تصبح الرياض مركزًا لصناعة التوافقات الأمنية، لا مجرد طرف فيها.
ومن المبكر الحديث عن ولادة حلف عسكري جديد بمفهوم الأحلاف التقليدية، لكن من الواضح أن المنطقة تشهد بداية نمط مختلف من الشراكات، يقوم على المرونة، وتعدد الشركاء، وتبادل المصالح، بدلًا من الاعتماد الكامل على قوة دولية واحدة.
ويبقى السؤال مفتوحًا هل تمثل اتفاقية مكة بداية لإعادة رسم هندسة الأمن في الشرق الأوسط؟
الإجابة لن تقدمها نصوص الاتفاقيات وحدها، بل ستكشفها طبيعة الخطوات المقبلة، ومدى تحول التنسيق العسكري إلى منظومة مؤسسية دائمة، وقدرة هذا الإطار الجديد على التعامل مع أزمات الإقليم دون أن يتحول إلى عامل إضافي للتصعيد.
لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة مختلفة، تتراجع فيها المعادلات التقليدية، وتبرز فيها محاولات لبناء نظام أمني أكثر استقلالًا، وأكثر اعتمادًا على القوى الإقليمية نفسها. وإذا استمرت هذه التحولات بالوتيرة الحالية، فقد ينظر المؤرخون مستقبلًا إلى اجتماع قادة الأركان في السعودية واتفاقية مكة باعتبارهما من العلامات الفارقة التي دشنت مرحلة جديدة في تاريخ الأمن الإقليمي، سواء قادت إلى توازن أكثر استقرارًا، أو إلى إعادة تشكيل موازين القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
