في خضم التصعيد العسكري المستمر والتداعيات الخطيرة التي خلّفتها المواجهات الأخيرة في المنطقة، تبرز سلطنة عمان مجدداً كصمام أمان دبلوماسي محوري. وتتجه الأنظار نحو المباحثات المكثفة التي تحتضنها مسقط بين المسؤولين العمانيين والإيرانيين، وسط مساعٍ حثيثة لبلورة تفاهمات ترسم ملامح مرحلة جديدة في الممر المائي الأكثر حساسية في العالم.
فهل تشكّل هذه المباحثات “قطار السلام” الحقيقي المنتظر لوقف الحرب البحرية وفتح الشرايين الاقتصادية المغلقة، أم أنها مجرد ترتيبات مؤقتة وسط حقل ألغام سياسي وعسكري؟
1. ملامح الاتفاق العماني الإيراني: هندسة جديدة للعبور
أكّدت وزارة الخارجية الإيرانية ودوائر دبلوماسية إقليمية أن المفاوضات بين مسقط وطهران قطعت شوطاً معتبراً، ووصلت إلى مراحلها النهائية لصياغة إعلان مشترك. وتشير المعطيات إلى أن الترتيبات تتلخص في النقاط التالية:
- تحديد الإحداثيات الجغرافية: التوصل إلى تفاهمات دقيقة حول مسارات ملاحية جديدة ومنفصلة لعبور السفن التجارية، بعيداً عن مسارات الاشتباك التقليدية.
- ترتيبات مؤقتة: الحديث عن آلية تتراوح مدتها ما بين شهرين إلى أربعة أشهر قابلة للتمديد، لتنظيم حركة دخول وخروج السفن عبر الخليج العربي وبحر العرب.
- إعادة تنظيم حركة الملاحة: توجيه السفن القادمة للخليج عبر ممرين ومسارات تراعي فيها الاعتبارات السيادية والأمنية للدول الساحلية.
2. الحذر الإيراني: “الاتفاق لا يعني ضمان الأمن تلقائياً”
رغم التقدم المحرز في رسم المسارات الملاحية، حرصت طهران على إرسال رسائل سياسية بالغة الدقة، إذ أكّدت وزارة الخارجية الإيرانية أن التفاهم الثنائي مع سلطنة عمان—باعتبارهما الدولتين الساحليتين الأساسيتين—لا يعتبر بحد ذاته ضمانة مطلقة لأمن المضيق الشامل.
ويعكس هذا الموقف رغبة إيرانية في تفادي القفز على التعقيدات الإقليمية والدولية الأوسع، لا سيما في ظل التشابك مع الأطراف الغربية، والرفض الإيراني لأي مسارات أمنية تفرضها قوى خارجية، اعتبرتها طهران سابقاً “غير آمنة” أو محاولة لفرض وصاية ملاحية.
3. الرؤية الدولية ورهان “قطار السلام”
على الطرف المقابل، تتعاطى القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، بحذر شديد مع هذه التطورات. فبينما تلوح واشنطن بقرب انفراجة محتملة لفتح المضيق وعودة التدفقات الطبيعية للطاقة، يشير مراقبون إلى أن النجاح الكامل لمبادرة مسقط يرتبط بعدة شروط جوهرية:
- موقف الأطراف الثلاثة: مرهون بمدى تجنب التدخلات المعرقلة من أطراف إقليمية ودولية قد تسعى لفرض أجندات تنافسية على حساب التفاهمات الثنائية.
- التكامل العسكري والتقني: تبدو الحاجة الملحة لعمليات فنية معقدة (مثل إزالة الألغام وتأمين المياه الإقليمية العميقة) لضمان انتقال الملاحة من مرحلة “الممرات المؤقتة” إلى مرحلة “الاستقرار الدائم”.
الخلاصة:
إن المباحثات العمانية الإيرانية تمثل بلا شك محطة اختبار كبرى لإمكانية احتواء التوتر العسكري عبر الحلول الدبلوماسية الواقعية. وعلى الرغم من أن هذه المشاورات لا تشكّل بعد اتفاق سلام شامل ينهي كل جذور الصراع، إلا أنها تعد بمثابة عربة القاطرة الأولى على سكة تخفيف الاحتقان التجاري وفتح ممرات الحياة لاقتصاد المنطقة والعالم.
ويبقى السؤال: هل تنجح الدبلوماسية العمانية الهادئة مجدداً في تحويل هذا الاختراق الفني إلى اتفاق استراتيجي مستدام؟
فالأيام القادمة وحدها هي الكفيلة بالإجابة.
بقلم: العميد الشرطة (حقوقي)
محمد علي عبدالله عبد الدائم
