الجزء الأول…
بين اتفاق سلام جوبا وواقع الحرب… أسئلة إلى رئيس مجلس السيادة
السيد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة…
أكتب إليكم اليوم من قلب وطنٍ أنهكته الحرب، لا لأضيف إلى قائمة الاتهامات المتبادلة اتهامًا جديدًا، ولا لأضع طرفًا في خانة الملاك وآخر في خانة الشيطان، فالسودان أكبر من أن يُختصر في فصيل، وأعمق من أن تُختزل أزمته في اتفاق أو توقيع.
لكن هناك سؤالًا أصبح من الضروري أن يُطرح بشجاعة:
هل تغيّر السودان خلال هذه الحرب أكثر مما تغيّرت رؤيتنا لإدارته؟
فمنذ اندلاع الحرب، لم تتغير ميادين القتال فقط، بل تغيرت الخريطة العسكرية والسياسية والاجتماعية. ظهرت وقائع جديدة، وتشكّلت تحالفات جديدة، وأصبحت هناك قوى مسلحة متعددة الحضور والتأثير. وبينما ينشغل المواطن بأوجاعه اليومية من نزوحٍ وفقدٍ وانهيارٍ اقتصادي وخدمي، يبقى سؤال مستقبل الدولة مؤجلًا رغم خطورته.
فالحروب لا تنتهي فقط عندما تتوقف أصوات البنادق، بل عندما تستعيد الدولة قدرتها على تنظيم القوة، ويصبح السلاح خاضعًا لقانونٍ واحد، ومؤسسةٍ عسكرية واحدة، ورؤيةٍ وطنية واحدة.
لقد أصبح اتفاق سلام جوبا حاضرًا في قلب الجدل العام، حتى كأنه عنوان الأزمة كلها. وهناك من يراه خطوةً تاريخية حقنت الدماء وفتحت باب السلام، بينما يرى آخرون أن تنفيذ بعض بنوده واجه تحديات سياسية وأمنية. لكن، بعيدًا عن هذا الجدل، يبقى من الضروري فهم طبيعة الاتفاق وما الذي جاء لمعالجته.
فقد جاء اتفاق سلام جوبا لمعالجة نزاعاتٍ استمرت سنوات، ولم يكن مجرد اتفاقٍ سياسي، بل تضمّن ملف الترتيبات الأمنية الذي وضع إطارًا قانونيًا ينظم أوضاع حركات الكفاح المسلح الموقعة، تمهيدًا لدمجها أو إعادة هيكلتها ضمن مشروع بناء مؤسسة عسكرية قومية واحدة.
كما أن الحركات الموقعة على الاتفاق لم تبقَ عند حدود الالتزامات المكتوبة، بل شاركت إلى جانب القوات المسلحة في معركة الكرامة، وقدّمت تضحياتٍ دفاعًا عن السودان، بينما لا تزال مناطق واسعة من دارفور تعيش آثار الحرب، وما زال آلاف المواطنين ينتظرون العودة إلى ديارهم من معسكرات النزوح.
غير أن الحرب أفرزت واقعًا جديدًا لم يكن قائمًا عند توقيع الاتفاق. فقد نشأت تشكيلات مسلحة جديدة، واتسع حضور بعضها في الميدان، وأصبح لها وجود تنظيمي وإداري، وهو واقعٌ يفرض على الدولة سؤالًا لا يمكن تجاوزه:
إذا كانت الدولة قد وضعت إطارًا قانونيًا ملزمًا لحركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق سلام جوبا، فما هو الإطار القانوني الذي سينظم أوضاع التشكيلات المسلحة التي نشأت خلال الحرب؟ وهل يكفي إعلان الولاء للقوات المسلحة والتعهد بوضع السلاح بعد انتهاء المعركة، أم أن بناء الدولة يقتضي التزاماتٍ قانونية واضحة تضمن أن يكون احتكار السلاح، بعد انتهاء الحرب، حقًا أصيلًا للدولة وحدها؟
إن السؤال هنا ليس انتقاصًا من أي قوة قاتلت دفاعًا عن الوطن، ولا تشكيكًا في وطنيتها، وإنما هو سؤالٌ عن الكيفية التي ستنتقل بها الدولة من واقع الحرب إلى واقع السلام، ومن تعدد التشكيلات إلى وحدة المؤسسة العسكرية.
ومن هنا، لم يعد السؤال متعلقًا باتفاق سلام جوبا وحده، بل بقدرة الدولة على إنتاج إطارٍ وطني شامل يستوعب كل التحولات التي فرضتها الحرب، ويضع معيارًا واحدًا يسري على الجميع، حتى لا تتحول الوقائع التي فرضتها ظروف الحرب إلى واقعٍ دائم في مرحلة السلام.السيد الرئيس…
إن السودان الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون هو السودان الذي دخلها، ولذلك فإن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند تحقيق الانتصار العسكري أو إيقاف القتال، بل تمتد إلى الإجابة عن أسئلة اليوم التالي.
فالمواطن لا يبحث فقط عن نهاية صوت الرصاص، بل يريد أن يعرف شكل الدولة التي ستأتي بعدها؛ دولة يكون فيها السلاح تحت مظلة القانون، والقرار العسكري داخل مؤسسات الدولة، والانتماء الوطني مقدمًا على أي انتماء آخر.
إن الخطر ليس فقط في وجود السلاح، بل في اختلاف القواعد التي تحكم هذا السلاح.
فعندما تكون هناك قوى ارتبط وضعها باتفاقات مكتوبة والتزامات محددة، بينما ظهرت خلال الحرب قوى أخرى تستند إلى واقع ميداني دون إطار معلن ينظم مستقبلها، فإن مسؤولية الدولة هي وضع معيار واحد لا يستثني أحدًا ولا يميز بين طرف وآخر.
ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة أمام الدولة:
هل توجد رؤية وطنية واضحة لمصير كل القوات والتشكيلات المسلحة بعد انتهاء الحرب؟
هل سيكون معيار الدمج أو التسريح أو إعادة الهيكلة واحدًا لكل من حمل السلاح، وفق قانون الدولة ومؤسساتها؟
كيف ستضمن الدولة أن يتحول كل من شارك في الدفاع عن السودان من قوة عسكرية إلى جزء من مشروع الدولة، لا إلى مراكز قوة جديدة خارج إطارها؟
وإذا كان الهدف المعلن هو بناء جيش قومي واحد، فما هي الآلية التي ستقود إلى تحقيق ذلك؟ وما هو الجدول الذي يضمن الانتقال من واقع الحرب إلى واقع الدولة؟
كما أن مرحلة ما بعد الحرب ستحتاج إلى رؤية تتجاوز الجانب العسكري فقط، لأن بعض القوى التي نشأت خلال الحرب قد تمتلك حضورًا اجتماعيًا أو إداريًا أو سياسيًا. وهنا يصبح السؤال: كيف سيتم تنظيم انتقال أي قوة من العمل العسكري إلى العمل المدني والسياسي وفق القانون والمؤسسات، حتى لا تنتقل صراعات الميدان إلى ساحات أخرى؟
السيد الرئيس…
إن بناء السلام لا يكتمل فقط بإسكات البنادق، بل بإزالة الأسباب التي قد تعيد إنتاج الصراع مرة أخرى.
فالدولة التي تريد جيشًا واحدًا تحتاج إلى رؤية واحدة، وقانون واحد، ومعيار واحد يسري على الجميع.
والسؤال الأكبر الذي ينتظر الإجابة:
هل ستكون مرحلة ما بعد الحرب بداية بناء دولة مستقرة، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل أن تعود الأسئلة نفسها ؟
فالسودان لا يحتاج فقط إلى نهاية الحرب…
بل يحتاج إلى تأسيس السلام الذي يمنع عودتها.لقد دفعت بلادنا ثمنًا باهظًا من الدماء والدموع، ولم يعد مقبولًا أن تنتهي الحروب وتبقى الأسئلة نفسها معلقة. فالمعركة الحقيقية بعد توقف البنادق هي معركة بناء الدولة؛ دولة لا تُدار بتوازنات القوة، ولا بتعدد المرجعيات، بل بقانونٍ واحد يحمي الجميع.
السيد الرئيس…
إن مسؤولية التاريخ لا تُقاس فقط بما تحقق في ساحات القتال، بل بما سيُترك للأجيال القادمة بعد انتهاء الحرب. فهذه اللحظة قد تكون بداية تأسيس دولة تستوعب الجميع تحت راية القانون، أو فرصة ضائعة تُبقي أبواب الأزمات مفتوحة أمام المستقبل.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى نهاية الحرب، بل يحتاج إلى بناء السلام الذي يمنع تكرارها.
فالدولة التي تريد جيشًا واحدًا تحتاج إلى رؤية واحدة، وقانون واحد، ومعيار واحد يسري على الجميع.
وهذه ليست مسؤولية طرفٍ بعينه…
بل مسؤولية وطنٍ كامل.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من انتصر في الحرب؟ بل: أي دولة نريد أن نبني بعد أن تنتهي الحرب؟
سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.
توقيعي…
أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد،
أنا امرأةٌ من حبرِ النار…
أكتبُ حين يصمتُ الضجيج،
وأحملُ الحقيقة حين تختفي الأصوات،
والحرفُ حين يغيبُ الشهود،
فالحرفُ عهدٌ لا يخون.
✒️ عبير نبيل محمد
في الجزء الثاني…
إذا كان الجزء الأول قد حاول قراءة أسئلة ما بعد الحرب، فإن الجزء القادم سيتجه إلى البحث في الجذور التي سبقت هذه اللحظة.
فهل كانت أزمات السودان نتيجة خلافات سياسية عابرة، أم أنها امتداد لتراكمات أعمق في بناء الدولة؟
ولماذا ظل السلام في السودان يبدأ بالاتفاقات، لكنه يتعثر عند مرحلة التنفيذ؟
وكيف يمكن بناء دولة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه وفرصه لا ترتبط بموقعه الجغرافي أو انتمائه الاجتماعي؟
وهل يكفي أن ننهي الحرب، أم أن الطريق الحقيقي يبدأ بإصلاح الأسباب التي جعلت الأزمات تتكرر؟
الجزء الثاني… محاولة لفهم جذور الأزمة، والبحث عن ملامح الطريق نحو دولة أكثر استقرارًا.
