السبت, أغسطس 1, 2026
الرئيسيةمقالاتالإعلام الوطني في معركة الكرامة ..من ميدان المواجهة إلى صناعة الوعي وبناءالدولة...

الإعلام الوطني في معركة الكرامة ..من ميدان المواجهة إلى صناعة الوعي وبناءالدولة كتبت / إيثار عبدالحميد

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل أصبحت تُدار كذلك في فضاءات الإعلام ومنصات الاتصال والرأي العام. فبقدر ما يخوض الجنود معركة الدفاع عن الأرض، يخوض الإعلاميون معركة الدفاع عن الحقيقة، وصيانة الوعي الوطني، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة

لقد فرضت معركة الكرامة واقعاً إعلامياً استثنائياً، كشف بوضوح أن الإعلام الوطني لم يعد مجرد ناقل للأخبار، وإنما أصبح شريكاً أصيلاً في إدارة الأزمات، وتوثيق الوقائع، والتصدي لحملات التضليل، والمحافظة على الروح المعنوية للشعب، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السودان

لقد واجه الإعلام السوداني تحديات جسيمة تمثلت في استهداف المؤسسات الإعلامية، وصعوبة الوصول إلى مصادر المعلومات، وتعطل البنية التحتية، ومحاولات بث الإشاعات والحرب النفسية عبر المنصات الرقمية وبرغم تلك التحديات، واصل الإعلام الوطني أداء رسالته، مؤكداً أن الكلمة المسؤولة قادرة على حماية المجتمع، وأن الصورة الصادقة تبقى شاهداً على التاريخ

وفي هذه المرحلة تبرز مسؤوليات الإعلام الوطني في عدة مسارات متكاملة، أولها الالتزام بالدقة والمصداقية، باعتبار أن المعلومة الصحيحة تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الإشاعة كما يتحمل الإعلام مسؤولية توضيح الحقائق للرأي العام، وتقديم المعلومات في توقيتها الصحيح، بما يعزز الثقة ويمنع استغلال الفراغ المعلوماتي

ويمثل توثيق بطولات القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة والقوات المساندة أحد أهم الأدوار الوطنية للإعلام، ليس بوصفه عملاً دعائياً، وإنما باعتباره توثيقاً لوقائع تاريخية تستحق أن تحفظ للأجيال القادمة، وأن تبقى جزءاً من الذاكرة الوطنية للسودان

كما يضطلع الإعلام بدور محوري في مواجهة الحملات الإعلامية المعادية، من خلال كشف الأخبار المضللة، وتعزيز ثقافة التحقق، وتقديم الرواية الوطنية المستندة إلى الوقائع، بعيداً عن الانفعال أو المبالغة، بما يحفظ ثقة الجمهور ويعزز مصداقية المؤسسات الإعلامية

ولا يقل أهمية عن ذلك إبراز الجهود الإنسانية والخدمية التي صاحبت معركة الكرامة، سواء في مجالات الإغاثة، أو إعادة الخدمات الأساسية، أو عودة المواطنين إلى مناطقهم، لأن بناء الأمل يمثل جزءاً أصيلاً من الرسالة الإعلامية في أوقات الأزمات

ومع اقتراب السودان من مرحلة التعافي وإعادة البناء، تتسع مسؤولية الإعلام لتشمل آفاقاً جديدة تتجاوز نقل الأحداث اليومية إلى المشاركة في بناء المستقبل. فالإعلام سيكون مطالباً بالمساهمة في ترسيخ الوحدة الوطنية، ونشر ثقافة السلام وسيادة القانون، وتعزيز قيم الانتماء، ودعم جهود إعادة الإعمار والتنمية

كما تقع على عاتقه مسؤولية توثيق معركة الكرامة توثيقاً علمياً ومهنياً، عبر إنتاج الأفلام الوثائقية، والبرامج، والكتب، والأرشفة الرقمية، وحفظ الشهادات الحية، حتى تبقى هذه المرحلة جزءاً من الذاكرة الوطنية الموثقة، لا مجرد أحداث عابرة في نشرات الأخبار

إن المرحلة المقبلة تستوجب كذلك تطوير الإعلام الوطني تقنياً ومهنياً، من خلال الاستثمار في الإعلام الرقمي، وبناء منصات متخصصة للتحقق من المعلومات، وتأهيل المراسلين للعمل في مناطق النزاعات، وتعزيز التنسيق المؤسسي بين المؤسسات الإعلامية والأجهزة الرسمية، بما يحقق سرعة الوصول إلى المعلومة مع المحافظة على مقتضيات الأمن الوطني

لقد أثبتت معركة الكرامة أن الدفاع عن الوطن مسؤولية تتكامل فيها الأدوار، فالجندي يحمي الحدود، ورجل الأمن يحفظ الاستقرار، والإعلامي يحمي وعي المجتمع من التضليل، ويوثق تضحيات الوطن للأجيال القادمة وعندما تتكامل هذه الأدوار، تتعزز قدرة الدولة على الصمود والانتصار

ولذلك فإن الإعلام الوطني مدعو اليوم لأن يواصل أداء رسالته بروح المسؤولية، وأن يكون صوت الحقيقة، وجسر الثقة، وذاكرة الوطن، وشريكاً في مرحلة البناء كما كان شريكاً في مرحلة الصمود، مؤمناً بأن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من سلاح فحسب، وإنما أيضاً بما تمتلكه من وعي، وإعلام مهني، ورواية وطنية صادقة تحفظ التاريخ وتصنع المستقبل

الملحق ..
يأتي هذا المقال بوصفه شهادة توثيقية تجسد تجربة العاملين في هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم خلال معركة الكرامة، وتسلط الضوء على الدور الذي اضطلع به الإعلاميون في نقل الوقائع من قلب الأحداث، وتوثيق مسيرة الصمود الوطني، بما يعكس جانباً مهماً من تاريخ الإعلام السوداني في هذه المرحلة الاستثنائية

النص التالي منشور كما ورد عن كاتبه

الفرقة 23 .. قناة الخرطوم إعلام صوت الوطن

بقلم/ د. عاصم العوض

المعلوم للجميع أن للجيش 22 فرقة في مختلف الولايات وإذا كان مقر الفرقة 22 في بابنوسة، فأعتقد جازماً أن مقر الفرقة 23 هو موقع هيئة تلفزيون وإذاعة الخرطوم – أم درمان

فقد كانت “فرقة القناة” فرقة قتالية بامتياز، ولكن سلاحها كان الكاميرا والمايكروفون خاضت المعركة من قلب النار، وسط وابل الرصاص، والحرب ملتهبة، ولم يغادر الرماة مواقعهم. باقون على العهد كما عهدناهم

كانت القناة الأولى التي عكست الحرب المشؤومة من النقطة صفر. نقلت صوت البندقية وصورة الصمود، فألهمت حماس الجيش، وطمأنت المواطنين بأن الجيش هو صمام الأمان وصائن العزة والكرامة، ولا مجال للتهاون في الذود عن الوطن

كنا ننتظر لنسمع أخبار الجيش عبر صورة القناة وأثير الإذاعة، لأن لديها صورة مختلفة وغير موجودة في المواقع الإسفيرية أو القنوات التي تنقل الأحداث من الخارج بصورة متكررة. وقد شوهدت عبر الوسائط المختلفة، بينما قناة الخرطوم احتفظت بصورتها وجودتها من داخل الحدث، وهناك كثير من اللقطات لا توجد إلا حصرياً على قناة الخرطوم، ومكتبتها مترعة بالمشاهد وبالتاريخ التليد

كيف لا وقائد الفرقة “الناير” وأركان حربه في غرفة السيطرة والتحكم لم يبارحوا أم درمان ‘وكذلك من أمامهم والي الولاية يعمّر ويشيّد كل ما دمرته الحرب

إنه ثبات سطروه بدمائهم وعرقهم على صفحات التاريخ، ويستحق أن تُعلّق صورهم على الحائط عند مدخل مكاتب القناة، وأمام البوابة الرئيسية المطلة على النيل

اليوم عادت القناة والإذاعة إلى موقعهما.. وعاد الأبطال إلى ثكناتهم، ولكن هذه المرة بزي الإعلام
ورفض المراسلون إلا أن يكونوا مع الجيش في خندق واحد، حتى “أم دافوق” ومن داخل الاستوديو يعيشون بعزتهم وكرامتهم، وجلالات الجيش تهيج المكان حماساً ويقيناً

الفرقة 23 ما زالت تحمل كاميرتها ومايكروفونها، وتنفث الأمل عبر الأثير، وتبث الطمأنينة التي يشيع المرجفون عكسها في الخارج
وتزاحم المواطنين في أزقة أم درمان والشهداء وبحري والسوق العربي، وتقاسمهم حياتهم وعيشتهم

سلاماً على الفرقة 23 ..
سلاماً على من حملوا الكاميرا كما يحمل الجنود بنادقهم، ووقفوا في خندق الوطن لا يكلون ولا يلينون
*لقد أثبت الإعلام الوطني أنه خط الدفاع الأول عن وعي الشعب، وأن الكلمة إذا صدقت كانت رصاصة، والصورة إذا صدقت كانت انتصاراً
*فلتحيا الفرقة 23 صموداً .. وليظل الجيش والإعلام معاً حامي حماة الوطن

السلاح لا يدافع وحده… بل الكاميرا والصوت الذي لا يخاف .

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات