الجمعة, يوليو 31, 2026
الرئيسيةمقالاتبين النفط والسلام… ماذا تحمل زيارة توت قلواك إلى الخرطوم؟ ...

بين النفط والسلام… ماذا تحمل زيارة توت قلواك إلى الخرطوم؟ بقلم/ إسماعيل شريف


في لحظة إقليمية معقدة، جاءت زيارة مستشار رئيس جمهورية جنوب السودان للشؤون الأمنية، توت قلواك، إلى الخرطوم، لتثير أسئلة تتجاوز البيانات الرسمية. فالزيارة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل حملت رسائل سياسية وأمنية واقتصادية تستحق التوقف عندها، خاصة أنها انتهت بموافقة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان على تلبية دعوة الرئيس سلفاكير ميارديت لزيارة جوبا.
التوقيت، في مثل هذه الزيارات، لا يقل أهمية عن مضمونها. فالسودان لا يزال يعيش تداعيات حرب ممتدة، بينما تواجه جنوب السودان تحديات اقتصادية وأمنية تجعل استقرار السودان مصلحة مباشرة لها. ومن هنا، تبدو الزيارة جزءًا من محاولة لإعادة تنشيط قنوات التواصل بين البلدين، في وقت تشهد فيه المنطقة حراكًا سياسيًا متسارعًا.
البيانات الرسمية أشارت إلى أن المباحثات تناولت ملفات نقل وعبور نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية، وتعزيز التعاون المشترك، والاستقرار الحدودي، وإنشاء مناطق تجارية مشتركة. وهذه ليست ملفات منفصلة، بل تمثل المصالح الإستراتيجية التي تربط البلدين، والتي ظلت، رغم الخلافات، تشكل أساسًا لاستمرار التواصل بين الخرطوم وجوبا.
ويحمل إعلان موافقة البرهان على زيارة جوبا دلالة خاصة. فالزيارة المرتقبة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنسيق السياسي، وتوفر فرصة لمناقشة ملفات أكثر تعقيدًا، مثل أمن الحدود، وتنشيط العلاقات الاقتصادية، وربما بعض القضايا العالقة التي لم تتناولها التصريحات المعلنة.
لكن ما أُعلن قد لا يكون كل ما نوقش. فطبيعة مهمة توت قلواك، بصفته مستشارًا للشؤون الأمنية، توحي بأن المباحثات ربما شملت ملفات ذات طابع أمني أو إنساني لم يُكشف عنها. ومن بين الاحتمالات التي تستحق المتابعة، ملف تبادل الأسرى والمحتجزين، أو تنسيق الجهود بشأن الأوضاع على الحدود، وإن كانت البيانات الرسمية لم تؤكد ذلك.
ويبقى السؤال الأهم: هل تمهد هذه الزيارة لدور أكبر لجنوب السودان في جهود السلام بالسودان؟
هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده، لكنه يحتاج إلى قراءة متوازنة. فجنوب السودان يحتفظ بعلاقات مع أطراف سودانية مختلفة، ويملك مصلحة مباشرة في إنهاء الحرب، بحكم تأثيرها على أمنه واقتصاده، ولا سيما قطاع النفط. كما أن جوبا سبق أن استضافت أو دعمت مسارات حوار ووساطة في قضايا سودانية خلال فترات سابقة، ما يمنحها خبرة سياسية يمكن البناء عليها إذا توافرت إرادة الأطراف السودانية وقبولها.
ومع ذلك، فإن نجاح أي دور وساطة لن يتوقف على رغبة جوبا وحدها، بل على مدى قبول الأطراف السودانية، وانسجام أي تحرك مع الجهود الإقليمية والدولية القائمة، حتى لا تتحول المبادرات إلى مسارات متوازية ومتنافسة.
في النهاية، تبدو زيارة توت قلواك أكثر من مجرد لقاء ثنائي. فهي تذكير بأن العلاقات بين الخرطوم وجوبا لا تُختزل في ملفات الخلاف، وإنما تقوم أيضًا على شبكة واسعة من المصالح المشتركة. وإذا كانت الحرب قد فرضت واقعًا جديدًا على السودان، فإن استقرار هذا البلد سيظل مصلحة إستراتيجية لجنوب السودان، تمامًا كما أن استقرار جنوب السودان يمثل مصلحة للسودان.
ولهذا، فإن الأنظار ستتجه إلى الزيارة المرتقبة للبرهان إلى جوبا، ليس لأنها زيارة بروتوكولية، بل لأنها قد تكشف ما إذا كانت الرسائل التي حملها توت قلواك ستتحول إلى خطوات عملية، سواء في تعزيز التعاون الثنائي، أو في دعم جهود السلام، أو في إعادة ترتيب العلاقة بين البلدين على أسس أكثر استقرارًا.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات