الأربعاء, سبتمبر 16, 2026
الرئيسيةمقالاتصانع المستحيل في زمن العتمة: محمد أشرف الدرديري.. فتى الدروشاب الذي عجن...

صانع المستحيل في زمن العتمة: محمد أشرف الدرديري.. فتى الدروشاب الذي عجن التفوق بدموع الصبر وملح الكفاح بقلم: محمد سيد


​في زمن تنكسر فيه الأبيات على رصيف المآسي، وتضيق فيه السبل بالصادقين، يأتي اليقين من حيث لا احتساب، ليخط بماء النور سيرة فتىً أبى إلا أن يكون للأمل عنواناً، وللكفاح أسطورةً تُروى. إنه ابننا البار، الخلوق، التقي، الورع، الصوام، القوام، محمد أشرف الدرديري أحمد محمد؛ ذلك النابغة الذي أبى أن تُهزمه عتمة الواقع، فصنع من رماد المحن فجراً يستضيء به السودان كله من فجره إلى نحره.
​لقد ضرب محمد أشرف أروع أمثال الرجولة المبكرة والبر الحقيقي بوالديه. لم تكن قاعته الدراسية غرفة مغلقة منعزلة عن صخب الحياة، بل كانت كفاحاً متواصلاً جنباً إلى جنب مع والده الكريم؛ تراه يكدح في عمل أبيه دون كلل أو ملل، سنداً يعتمد عليه، وعضداً لا يلين. ومن عجيب أمر هذا الفتى أنه لم يشعر من حوله قط بأنه طالب في سنة امتحان مصيرية؛ لم يتأفف، لم يتشكُ، ولم يتخذ من الظروف ذريعة ليعلق عليها تقصيراً. بل عجن وقته بين عرق الكفاح بجوار والده، وساعات التحصيل الطويلة في صمت مهيب، ليخرج للناس تحفةً من صبر وعزيمة.
​وحين حانت لحظة الحصاد في امتحانات الشهادة السودانية، لم يكتفِ محمد بالنجاح العادي، بل حطم كل الأرقام القياسية في مدينة الدروشاب ومحافظة بحري، محرزاً نسبة باهرة بلغت 92% في المجال العلمي. رقمٌ صاعق، لكنه في حق محمد قليل؛ فهو ليس مجرد رقم على ورق، بل هو البلسم الشافي الذي داوى جراح والديه الكريمين، ومسح دموع الأسرة التي تجرعت مرارة البطش والسلب والنهب على يد مليشيات الدعم السريع، تماماً كما اكتوت الدروشاب والسودان بأسره.
​لقد رسم محمد أشرف بتلك الملحمة درساً بليغاً لكل أجيالنا القادمة؛ درساً في أن البطولات الحقيقية لا تصنعها رفاهية القاعات، بل تصقلها شوكة الألم، وأن اليأس لا يتسرب إلى قلوب المؤمنين العازمين مهما اشتدت غيوم المحن. لقد أثبت هذا الفتى للشباب أن النجاح وطن والوطن يستحق التضحية، فكان طوق نجاة ومنارة تستنير بها بصائر الناشئة ليعلموا أن من صدق الله صدقه، وأن من عجن تعبه بالإخلاص أتاه المجد يهرول.
​لقد جاء نجاح محمد أشرف ليقول للمليشيات ولكل قوى الظلام: إن الشعب السوداني لا يموت، وإن في رحم المعاناة يولد الأبطال. لقد تعوّض الوالدان بهذا النابغة التقي عن كل حزن وضيق، وأشرقت الدروشاب بفرحة كبرى طال انتظارها، فاستحقت أن ترفع رأسها عالياً خيلاءً وفخراً بهذا الابن البار.
​هنيئاً لوالديك هذا الغرس الطيب والتربية الخالصة. وهنيئاً لأهلك وعشيرتك. وهنيئاً لأهل الدروشاب قاطبة بهذا النسر الذي حلّق عالياً رغم عواصف الريح.
​مبارك للدكتور بإذن الله تعالى محمد أشرف، وإلى العلا دائماً، يا من علّمتنا أن النجاح الحقيقي لا يولد في قاعات الترف، بل يخرج صلباً نقياً من رحم التعب والصمت الجميل.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات