مع بزوغ فجر السودان الجديد، نرفع أكف التضرع والحمد لله رب العالمين، أن أزاح عن كاهل أمتنا ذلك العبء الثقيل، وطهر أرضنا الطيبة من آثام تلك الأحزاب الفاجرة التي لوثت ديارنا بعمالتها، وارتهنت لغير المصالح الوطنية. والحمد لله الذي أزاح عنا ذلك الكابوس اللعين الذي جثم على صدورنا طويلاً، واستأصل بالحق ذلك السرطان الغاشم الذي استشرى في هذه الأرض سنوات، وظل يكتنز من ثروات بلادنا على حساب قوت الشعب وعزته؛ متمثلاً في ميليشيا الدعم السريع الباغية، أولئك الأوباش الذين وفدوا إلينا من صحاري أفريقيا كالذئاب الجائعة التي تتجول في ربوع سوداننا، فاندحروا بفضل الله وعزيمة الرجال.
ومن منصة هذا المقال، نرفع أسمى آيات الشكر والعرفان، وننحني إجلالاً ونترحم على شهداء “معركة الكرامة” الأبرار، الذين رووا هذه الأرض بدمائهم الطاهرة الزكية لننعم بالحرية والأمان. والتحية والتجلة نبعثها لقواتنا المسلحة الأبية، ممثلة في رئيس مجلس السيادة القائد العام لقوات الشعب المسلحة، ومساعديه، وأركان حربه، وضباط وضباط صف وجنود قوات شعبنا البواسل، وجهاز المخابرات العامة، والشرطة الأبية، والمستنفرين الأبطال، وكافة القوات المساندة والقوات المشتركة. لقد سطرتم بأرواحكم أروع لوحة وطنية، ومسحتم عن كاهل هذا الوطن سرطاناً طال أذاه، فلكم منا ومن التاريخ أرفع درجات الفخر والاعتزاز.
على أعتاب هذه المرحلة الجديدة التي يملؤها الأمل ويغمرها التفاؤل، يتنفس السودان الحبيب نسائم الحرية والتعافي. إنها لحظة الاستبشار بفجر ناصع، يعلن للدنيا بأسرها أن سودان العزة والشموخ قادمٌ وبقوة، ليعود كما كان وأفضل: بوابة لأفريقيا النابضة بالحياة، وكنزاً زاخراً بالخيرات والعطاء، ورمزاً للرخاء الذي تتغنى به المحافل الإقليمية والدولية.
إن التاريخ يعلمنا أن الشعوب العظيمة لا تسقط، بل تنهض من تحت الركام أكثر قوة وفتاءً. وما مر على أرضنا الطيبة لم يكن إلا اختباراً لمعدن هذا الشعب الأبيّ، الذي خابت أمامه كل رهانات التدمير والإحباط. لقد أثبت أهل السودان أنهم أهلٌ للرهان، وأن في أرواحهم إصراراً لا يُقهر، وروحاً تُقبل على الحياة والشغف بوطن يسع الجميع.
وفي هذا المشهد الحضاري، نقف إجلالاً لما يقدمه أهلنا في غزة الصمود من درس استثنائي للعالم أجمع؛ أولئك الأبطال الذين واجهوا أعتى آلات الدمار والتغشّم والعدوان الصهيوني، فكانوا كلما هُدم لهم بيتٌ أو جدار، أعادوا بناءه في لحظات بصلابة لا تلين وقوة إرادة تبهر العقول. إنهم النموذج الحقيقي لسطوة الأمل على آلة الحرب، والإثبات الساطع بأن الأرض لا يعمرها إلا عشق بنيها لها.
اليوم، حانت اللحظة لنطوي صفحة السلاح لنتسلح بمعركة النهضة؛ فنقول لكافة الطيور المهاجرة من أبناء هذا الوطن: عودوا إلى السودان وعمروا السودان، فالآن معركتنا الحقيقية هي معركة بناء وتعمير. ينادينا الوطن لنحتذي بإصرار العظماء؛ لنحمل المعول في يد، والنبتة في اليد الأخرى.. سواعدٌ تعمر الأرض، وأينما حلت تزرع الأمل، وعيونٌ ترعى الزرع وتحمي المكتسبات. لا مجال للتردد، ولا مكان لليأس؛ فكل شبر في الخرطوم، والجزيرة، ودارفور، وشرقنا الحبيب، وشمال كردفان وجنوب كردفان، وشمالنا ونيلنا ينادي أهله للعودة، والترحيب بما هو قادم.
فهلموا يا أهل السودان، أبناء الديار وفرسان النهضة.. افتحوا الأبواب للترحاب، واستقبلوا قادم الأيام بقلوب ملؤها التفاؤل واليقين. لنشمر عن السواعد، ولنعد بناء المدارس والمصانع والمزارع والمؤسسات.
وفي ختام هذا اللقاء الوطني الجامع، لنجعل من مرحلة التعمير ملحمة حبٍّ ووفاءٍ لهذه الأرض؛ فلنغرس الأشجار فوق موضع الركام، ولنشيد الصروح العظيمة بالجهد والعرق، ولنغزل من خيوط العزيمة شراعاً لمستقبل يفيض خيراً وسلاماً. إن ملحمة البناء ليست مجرد حجارة تُصفّ، بل هي إحياءٌ للروح السودانية الأبية، وتخليدٌ للكرامة، ورسمٌ لغدٍ تُشرق فيه شمس سوداننا المعطاء على العالمين. لنبني سودان المستقبل الذي حلمنا به دائماً: قوياً، شامخاً، فتياً، وكنزاً تفتخر به القارة السمراء، لنتغنى بأمجاده في كل محفل ودولة، ونقول للعالم أجمع: هنا السودان.. بسواعد بنيه عاد وعمر.
