الأبيض ” مدينة في مرمى الحصار و أهل القرار “…..
لكل مدينة قصص و حكايات…. منشأ ، تأريخ ، حدود ، سكان ، رموز ، تجارة و مؤسسات وغيرها……
الأبيض مدينة حديثة سبقتها بارا في (القدم) حيث كانت عاصمة للخلافة العباسية( 658هج/ 1260م) بعد سقوط بغداد على يد التتار ، و عاصمة المسبعات الأولى( 1772_ 1786 م) . كما كانت محور نزاع بين سلطنتي الفور غرباً ، و الفونج شرقاً فانحسر نفوذ المسبعات جنوباً ليتخذوا عاصمتهم الجديدة(الأبيض) . و سرعان ما انهار ملكهم خلفهم فيها الأتراك فأضافوا إليها الحداثة بمقاييس ذلك الزمان و بقي أثرهم للآن……
جعلوا منها نواة تأسست عليها مؤسسات الحكم و الخدمات و التشريعات لتنظيم الخدمة المدنية و مواكبة حياة الناس…..
و من هنا ، و في العام (1881م) ، ولدت الأبيض العاصمة…. و تشكلت فيها ملامح المدينة…. و تقلدت ثوب عروس (الرمال) المرصع بحبيبات الرمل الوضيئة الغنية بمادة (السيلكون) وعمَّ خيرها أرجاء الكون…..و افترشت الخيرات بساطاً على ظهر الأرض و باطنها… فقيل عنها ( غرا ) خيرها “جُوَّة و بَرَّا “…و الغراء البيضاء التي لم يختلط بياضها بشائبة… و هي الوضيئة المتدثرة بثياب العفة و الطهر….فاختصها الله ب(خيري) الظاهر و الباطن … إذن فلا يلومنِّي أحدٌ إذا قلت هي ( أم خيرين ) … تحبل سماؤها كل عامٍ بالسحب اللواقح …. تخصب مواسمها بكل الثمرات ، فتلد أنواعاً من الخيرات ، و تُرضع و تُطعم الفلذات…… و بذا الخير و الجمال تفتحت أبوابها ، و كثر خُطَّابها ، و غلا مهرها….و ” من يخطب الحسناء فليغلها المهر “….
خطبها الأتراك و اتخدوها مركز سلطانٍ و محط سيادة…..
حاصرها المهدي و اتخذ منها منطلقاً لتحرير الخرطوم و السودان فتحققت له الإرادة……قصدها الإنجليز و منيت حملة هكس باشا في شيكان بالإبادة … ثم أعادوا الكرَّة و لم يهنأوا فيها بسيادة……
و هي حبلٌ سُرٌّيٌّ يربط كل أطراف السودان بطرقٍ تغذيها من خيرات الزرع ( ذرة ، سمسم ، حب ، كركدى ، فول ، صمغ )… فانفتحت عليها عيون العالم و أطماعه ، و مهد لها طُرُقاً تغوص في رمالها برًَّاً ، و تحلق في فضائها جوَّاً . فخلق منها بؤرة اقتصادية بإنشاء أكبر سوق في العالم (للصمغ العربي) و محاصيل الحبوب الزيتية . و مدَّت إليه شريان السكة حديد لرفد صناعاته بالخام الجيد ، و مواطنيه بالعيش الرغد …..و اتخذتها المنظمات الأممية محطة (إستراتيجية) لحركة طيرانها للمحيط الأفريقي فكثرت عليها الأطماع ، و سال لها لعاب الغزاة و المستعمرين ، و جذبت أنظار أهل القرار في العالم….و ما من مدينة حظيت بزيارة رؤساء و ملوك العالم أكثر من مدينة الأبيض!….ومنهم عالمياً : الرئيس اليوغسلافي ” جورج تيتو” عام ١٩٦٤م الذي سمي بإسمه أشهر ميادين الألعاب و المصارعة والرقصات الشعبية في مواسم و عصريات المدينة ( ميدان تيتو ) الذي احتشد فيه الناس لاستقباله هناك و كان لعهدٍ قريب فاصلاً بين الأحياء المتصلة بالمدينة ( أمير ) غربه و (طيبة) شرقه ، و لعله الآن هو امتداد الصفا…..
و من رؤساء الدول العظمى : الرئيس السوفيتي ليونيد بريجينيف ، و ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية…… كما زارها من الرؤساء العرب : الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، و رئيس و مؤسس دولة الإمارات ( الوليدة) في أوانها الشيخ زايد آل نهيان….
و من رؤساء السودان الفريق إبراهيم عبود ، و إسماعيل الازهري ، و المشير جعفر محمد نميري ، و المشير عبد الرحمن سوار الذهب ، و المشير عمر حسن أحمد البشير ، و الفريق عبد الفتاح البرهان…… و كأن وقوع الأبيض اليوم في مرمى نيران مليشيا الدعم السريع محاولة يائسة منها لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء و فرض الحصار فهل لها أن ترى أهل القرار ؟؟…. برغم الصمت العالمي المريب ، و التضليل الإعلامي المخيب ، ستظل الأبيض صامدة ، لن تلين لها قناة ، و لن يذل فيها شيخ أو تسبى منها فتاة……
و ستظل قلب السودان النابض و أرض كرامة ، و بين المدن راية و علامة……..
الأستاذ/ الغالي الزين حمدون
٢٠٢٦/٧/٢٣م..
