الإثنين, يوليو 27, 2026
الرئيسيةمقالاتالهلال … انتصار المؤسسة قبل انتصار الصندوق ...

الهلال … انتصار المؤسسة قبل انتصار الصندوق بقلم/ المنا علي المنا

لم تكن انتخابات نادي الهلال الأخيرة مجرد إجراءٍ تنظيمي أملته اللوائح، ولا مجرد سباق انتهى بإعلان فوز قائمة الرئيس هشام حسن السوباط ونائبه المهندس محمد إبراهيم العليقي ومن امامهم وخلفهم تنظيم هلال المجد بقيادته المبدعة والمتجانسة قيادة النادي لأربع سنوات جديدة، بل كانت في حقيقتها تصويتاً على مشروعٍ إداري أثبت حضوره في أصعب الظروف ، ورسالةً تؤكد أن العمل المؤسسي متى ما اقترن بالرؤية والإرادة يستطيع أن يصنع النجاح حتى في زمن الحروب .
فما بين دورةٍ انتخابية وأخرى، لم يعش السودان ظروفًا عادية. اندلعت الحرب، وتعطلت الحياة ، وانهارت مؤسسات ، وتوقفت أنشطة ، لكن الهلال مضى في طريقه محافظًا على حضوره متحملًا أعباءً مالية وإدارية غير مسبوقة. لم يكن الأمر مجرد تسيير نشاط فريق كرة قدم، وإنما إدارة مؤسسة كبيرة في واقع استثنائي، يتطلب قرارات استثنائية، وإنفاقًا ضخمًا، و صبرًا لا يتوافر إلا لمن يؤمن بالمشروع الذي يقوده.
ولعل الإنجازات التي تحققت خلال تلك الفترة لم تكن وليدة المصادفة . فقد بلغ الهلال الدور نصف النهائي من دوري أبطال أفريقيا، ونافس كبار القارة بندية، ونجح في فرض اسمه خارج الحدود عندما توج بالدوريين الموريتاني والرواندي خلال فترة استضافة نشاطه، ثم أضاف لقب الدوري السوداني ، قبل أن يُسحب منه لاحقًا بقرارات لجنة الاستئناف التي ظلت محل جدل واسع، والتي لم تنصف النادي ولم تعكس روح العدالة الرياضية .
ومهما اختلفت الآراء حول بعض التفاصيل، فإن أحدًا لا يستطيع إنكار أن الهلال ظل حاضرًا في كل الميادين، وأن مجلسه المنتخب واجه ظروفًا ربما لم تواجهها أي إدارة سابقة في تاريخ النادي، ومع ذلك لم يتراجع المشروع، ولم تتوقف عجلة الإنجاز.
ولأن الهلال مؤسسة قبل أن يكون فريقًا لكرة القدم، فإن الديمقراطية فيه ليست شعارًا موسميًا، وإنما جزء من تكوينه التاريخي. فمنذ أيام نادي الخريجين ، ظل الاحتكام إلى الجمعية العمومية واحترام إرادة الأعضاء تقليدًا راسخًا، تعاقبت عليه الأجيال، وأسهم في صناعة شخصية الهلال الإدارية التي جعلته واحدًا من أكثر الأندية السودانية استقرارًا في تداول السلطة داخل أسواره.
وللهلال كذلك صفحة مشرقة في تاريخ الرياضة السودانية كثيرًا ما يغفلها الناس. فقد كان حريصًا في محطات عديدة على أن يبقى التنافس بين القطبين في أفضل حالاته، ولم يتردد في رفد المريخ بعدد من الإداريين أصحاب الخبرة والكفاءات غير غائبين عن ذاكرة الوسط الرياضي اللماح إدراكًا منه أن قوة المنافس ليست خسارة، وإنما مكسب لكرة القدم السودانية كلها، لأن القمة لا تزدهر إلا بقطبين قويين، يتنافسان بشرف، ويتسابقان في جودة الإدارة قبل نتائج المباريات.
إن فوز قائمة السوباط لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصارًا لأشخاص ، وإنما انتصارًا لفكرة الاستقرار المؤسسي . فالجمعية العمومية ، وهي صاحبة *الكلمة *الفصل* ، لم تمنح ثقتها للأسماء بقدر ما جددتها لمسار إداري أثبت نجاحه في أصعب الاختبارات.
واليوم يقف الهلال أمام مرحلة جديدة أكثر طموحًا. فبرنامج المجلس المنتخب يحمل عناوين كبيرة؛ 《تطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع القاعدة السنية، وترسيخ الاحتراف الإداري، ومواصلة المنافسة القارية》، وهي أهداف لا تخدم الهلال وحده، وإنما يمكن أن تصبح نقطة انطلاق لنهضة الكرة السودانية إذا ما اقتدت بها بقية الأندية.
فالرياضة السودانية ليست في حاجة إلى صراعات إدارية لا تنتهي، ولا إلى مجالس تُستهلك في الخلافات، وإنما تحتاج إلى مؤسسات مستقرة، وخطط واضحة، وإدارات تُحاسب بالإنجاز لا بالشعارات. وتجربة الهلال خلال السنوات الماضية، بما لها وما عليها، تقدم نموذجًا عمليًا يستحق الدراسة ، لا لأنه كامل، ولكن لأنه أثبت أن الإدارة الواعية قادرة على صناعة الفارق حتى عندما تكون الظروف ضدها .
ويبقى الأمل أن تمتد هذه الروح إلى بقية الأندية، وفي مقدمتها المريخ ، لأن قوة المنافسة بين الهلال والمريخ ليست مكسبًا للناديين فحسب، بل هي ركيزة أساسية لعودة الكرة السودانية إلى مكانها الطبيعي قارّيًا وعربيًا . فحين تتنافس المؤسسات قبل الأشخاص، وتنتصر البرامج قبل الشعارات، تكون الرياضة هي الرابح الأكبر، ويكون الوطن هو المستفيد الأول.

الهلال و المجد صنوان

✍️: المنا علي المنا

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات