بقلم: م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني
هناك فرق بين أن تسمع عن مدينة، وبين أن تراها بعينيك وتعيش تفاصيلها.
خلال السنوات الماضية، تشكلت صورة الخرطوم في أذهان كثير من السودانيين من خلال الأخبار والصور ومقاطع الفيديو ورسائل القادمين والمغادرين. كانت الصورة في معظم الأحيان لمدينة أنهكتها الحرب، وأغلقت أبوابها، وانقطعت عنها الحياة.
لكن الصورة على الأرض بدأت تتغير.
ليس لأن آثار الحرب اختفت، ولا لأن الخرطوم عادت إلى وضعها الطبيعي، فهذا ما زال بعيدًا. وإنما لأن شيئًا من الحياة اليومية بدأ يعود إلى المدينة، والناس الذين عادوا إليها بدأوا يكتشفون بأنفسهم أن الخرطوم التي تركوها ليست تمامًا الخرطوم التي وجدوها.
محلات تفتح أبوابها.
مطاعم ومقاهٍ تستعيد نشاطها.
شوارع تعود إليها الحركة.
وأحياء بدأت تستقبل سكانها من جديد.
وربما الأهم من كل ذلك، أن الإنسان بدأ يستعيد علاقته بالمكان.
هذه المشاهد لا تعني أن الخرطوم تعافت، ويجب ألا نخلط بين الأمرين.
فالمدينة التي خرجت من حرب بهذا الحجم لا يمكن قياس تعافيها بعدد المحلات المفتوحة أو ازدحام بعض الشوارع. التعافي العمراني أوسع من ذلك بكثير، فهو يرتبط بالأمن، والمياه، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والنقل، والسكن، والعمل، وإعادة تشغيل الاقتصاد، واستعادة المؤسسات لقدرتها على تقديم الخدمات.
لكن عودة الحياة اليومية تظل مؤشرًا مهمًا.
فالمدينة لا تعود بقرار إداري وحده، وإنما تعود عندما يبدأ الناس في استخدامها مرة أخرى.
وهنا لفتت انتباهي خلال الفترة الماضية شهادات عدد من السودانيين الذين عادوا إلى الخرطوم بعد غياب طويل.
بعضهم تحدث عن أشياء لم يكن يتوقع أن يجدها.
وجد شارعًا يتحرك.
وجد متجرًا أعاد فتح أبوابه.
وجد أصدقاء عادوا.
وجد حياة بدأت تتشكل من جديد.
وفي بعض الحالات كان الانطباع بسيطًا ومباشرًا: الصورة التي كانت في الذهن لم تكن هي الصورة التي وجدها على الأرض.
وهذه ملاحظة تستحق التوقف عندها.
فالمدن لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.
لا يمكن أن تكون الخرطوم مجرد شارع مدمّر في صورة، كما لا يمكن أن تكون مجرد شارع مضاء ومقهى مزدحم في صورة أخرى.
الحقيقة دائمًا أكثر تعقيدًا.
الخرطوم اليوم مدينة تحمل آثار حرب قاسية، وفي الوقت نفسه تحاول أن تستعيد حياتها. وهذان الأمران يمكن أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه.
ومن هنا يأتي معنى التعافي.
التعافي ليس أن نقول إن كل شيء أصبح بخير، وليس أن نتجاهل ما حدث. التعافي هو أن ندير الانتقال من واقع صعب إلى واقع أفضل، خطوة بعد خطوة، وأن نحافظ على ما بدأ يعود، ونعالج ما لا يزال متعثرًا.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا الآن ليس فقط: كيف أصبحت الخرطوم؟
بل: كيف نحافظ على ما عاد إليها؟
الكهرباء التي عادت إلى منطقة تحتاج إلى استقرار في الإمداد.
والحي الذي عاد إليه السكان يحتاج إلى مياه ونظافة وتصريف وطرق ومواصلات.
والمحل الذي أعاد فتح أبوابه يحتاج إلى اقتصاد قادر على الاستمرار.
والشاب الذي عاد إلى الشارع يحتاج إلى فرصة عمل.
والأسرة التي عادت إلى منزلها تحتاج إلى مدينة آمنة وقابلة للحياة.
هنا تتحول العودة من مجرد حركة سكانية إلى قضية تخطيط وإدارة.
فالعودة شيء، والاستقرار شيء آخر.
قد يعود الإنسان إلى منزله، لكن السؤال هو: هل يستطيع أن يبقى فيه؟
وهذا، في تقديري، أحد أهم الاختبارات التي تواجه مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة.
فالخرطوم لا تحتاج فقط إلى عودة سكانها، وإنما تحتاج إلى عودة وظائفها.
تحتاج إلى أن تعمل مؤسساتها، وأسواقها، ومدارسها، ومستشفياتها، وشبكاتها، وخدماتها.
وتحتاج إلى أن تصبح العودة جزءًا من دورة حياة طبيعية، لا مجرد حدث مؤقت.
ومن هنا تأتي أهمية التخطيط العمراني في هذه المرحلة.
التخطيط لا يبدأ من مشروع منفرد، وإنما من قراءة المدينة ككل.
نحتاج أن نعرف: أي الأحياء عادت؟ وأيها ما زال متعثرًا؟ أين تعمل الخدمات؟ وأين توجد الفجوات؟ أين تتجمع الأنشطة الاقتصادية؟ وأين يمكن أن تنشأ فرص جديدة؟ وما المناطق التي تحتاج إلى إعادة تأهيل قبل أن تستقبل أعدادًا أكبر من السكان؟
هذه المعلومات ليست ترفًا تخطيطيًا.
إنها أساس القرار.
فكلما عرفنا المدينة بصورة أفضل، استطعنا أن نوجه مواردنا بصورة أفضل.
وهنا أعتقد أن الخرطوم تمنحنا اليوم فرصة لم تكن متاحة من قبل.
نحن نعرف المدينة القديمة جيدًا، لكننا الآن نملك فرصة لاكتشاف مدينة أخرى تشكلت تحت ضغط الحرب والنزوح والعودة.
مدينة تغيرت فيها حركة السكان.
وتغيرت فيها مراكز النشاط.
وتغيرت فيها أولويات الخدمات.
وتغيرت فيها علاقة الناس بالمكان.
وهذه التحولات يجب ألا تُقرأ باعتبارها آثارًا مؤقتة فقط، بل باعتبارها معلومات تساعدنا على التخطيط للمرحلة القادمة.
لأن الخرطوم التي سنبنيها غدًا لن تكون بالضرورة الخرطوم التي كانت قبل الحرب.
وربما لا ينبغي لها أن تكون كذلك.
لقد كشفت الحرب نقاط ضعف كثيرة في المدينة، كما كشفت قدرات لم نكن نراها بالوضوح نفسه.
وأمامنا الآن خياران: أن نحاول إعادة كل شيء إلى ما كان عليه، أو أن نتعلم مما حدث ونبني بصورة أفضل.
بالنسبة لي، الخيار الثاني هو الأكثر أهمية.
لا نريد فقط أن نعيد المباني.
نريد أن نعيد التفكير في المدينة.
نريد تخطيطًا يستبق المشكلة بدلًا من انتظارها.
ونريد خدمات تُبنى وفق احتياجات السكان الفعلية.
ونريد استثمارًا يرتبط بالبنية الأساسية والاقتصاد المحلي.
ونريد أحياء قادرة على الحياة، لا مجرد تجمعات من المباني.
وهذا يقودنا أيضًا إلى علاقة الداخل بالخارج.
خلال الحرب، أصبح السوداني في الخارج جزءًا أساسيًا من حياة أسرته ومجتمعه من خلال التحويلات والمساندة وغيرها من أشكال الدعم. وكان ذلك ضروريًا في ظروف قاسية.
لكن المرحلة الجديدة يمكن أن تكون مختلفة.
المقيم في الخارج يستطيع أن يكون مستثمرًا، أو مهندسًا، أو طبيبًا، أو أكاديميًا، أو صاحب مشروع، أو شريكًا في المعرفة والخبرة.
والمقيم في الداخل ليس مجرد مستفيد، بل شريك في إعادة بناء البلد.
وبذلك يمكن أن تنتقل العلاقة من سؤال: من يرسل لمن؟ إلى سؤال أكثر إنتاجًا: من يعمل مع من؟
وهذا في رأيي تحول مهم.
فنحن لا نحتاج إلى منافسة بين من عاد ومن بقي، ولا بين من غادر ومن لم يغادر. الحرب دفعت الملايين إلى مغادرة مدنهم، ولكل إنسان ظروفه وحساباته.
المهم الآن أن يجد كل سوداني موقعه في عملية التعافي.
من استطاع العودة فليعد ليعمل وينتج.
ومن لم يستطع العودة بعد، يمكنه أن يساهم من مكانه.
المهم ألا تبقى علاقتنا بالوطن محكومة بموقعنا الجغرافي فقط.
فالعودة الحقيقية ليست مجرد عبور الحدود.
إنها عودة إلى دورة الحياة والإنتاج والمشاركة.
ومن هنا أرى أن مشاهد الحياة التي بدأت تظهر في الخرطوم ينبغي أن تُقرأ بتوازن.
لا ينبغي أن تجعلنا نتجاهل حجم الدمار والتحديات.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تجعلنا أسرى للصورة القديمة التي تقول إن المدينة انتهت.
المدينة لم تنته.
ولكنها تحتاج إلى عمل كبير حتى تستعيد عافيتها.
وهنا تقع مسؤولية الدولة والمؤسسات والمجتمع والقطاع الخاص والمهنيين جميعًا.
علينا أن نرصد ما يحدث، ونفهمه، ثم نحوله إلى قرارات.
أن نعرف أين تبدأ العودة، وكيف ندعمها، وأين تحتاج المدينة إلى تدخل عاجل، وأين توجد فرص الاستثمار، وكيف نعيد تشغيل الخدمات بصورة مستدامة.
هذه هي النقلة التي نحتاجها: من متابعة مظاهر التعافي إلى صناعة التعافي.
فالعودة العفوية مهمة، لكنها تحتاج إلى سياسة تحميها.
والنشاط الاقتصادي مهم، لكنه يحتاج إلى بيئة تستمر فيه.
وإعادة فتح المدارس والمستشفيات والأسواق مهمة، لكنها تحتاج إلى منظومة حضرية قادرة على دعمها.
وهنا يعود التخطيط العمراني إلى موقعه الطبيعي: ليس مجرد رسم خرائط، وإنما فهم العلاقة بين الإنسان والمكان والخدمة والاقتصاد والحركة.
لقد اعتدنا خلال سنوات الحرب أن نسأل: من أين ستأتي المساعدة؟
وربما آن الأوان أن نضيف سؤالًا آخر:
ماذا نستطيع أن نصنع بأنفسنا؟
نحتاج إلى دعم الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي، وهذا أمر لا شك فيه. لكن الدعم الخارجي لا يمكن أن يحل محل القدرة الوطنية على التخطيط والإدارة والإنتاج.
الدعم يمكن أن يساعدنا في إعادة البناء.
أما تحديد ما نريد أن نبنيه، وأين، ولماذا، ولمن، وبأي أولوية، فهذه مسؤوليتنا نحن.
وهنا أرى أن الخرطوم يمكن أن تكون أكثر من مدينة تتعافى من الحرب.
يمكن أن تكون بداية لتجربة جديدة في إدارة المدن السودانية.
تجربة تقوم على البيانات، وعلى فهم حركة السكان، وعلى ربط الإسكان بالخدمات والعمل والنقل، وعلى إدارة أفضل لأصول الدولة، وعلى تخطيط أكثر ارتباطًا بالتنفيذ.
فالمدينة التي تتعلم من أزمتها تصبح أقوى من المدينة التي تكتفي بإزالة آثار الأزمة.
والدولة التي تتعلم من تجربتها تصبح أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
لذلك، فإن الخرطوم التي نكتشفها من جديد ليست مجرد الخرطوم التي بدأت فيها المقاهي والمحلات بالعودة.
إنها مدينة تعطينا فرصة لأن نسأل أنفسنا: أي مدينة نريد؟
هل نريد فقط أن تعود الحياة إلى ما كانت عليه؟
أم نريد أن تكون هذه العودة بداية لحياة أفضل؟
في تقديري، علينا أن نختار الثانية.
فالخرطوم لن تعود نسخة من الماضي، ولا ينبغي أن نطلب منها ذلك.
نريدها مدينة أكثر تنظيمًا، وأكثر قدرة على الصمود، وأكثر عدالة في توزيع خدماتها، وأكثر ارتباطًا باقتصادها، وأكثر استعدادًا لمواجهة الأزمات القادمة.
ومن هنا فإن مشهد عودة الحياة ليس نهاية الطريق.
إنه إشارة البداية.
الخرطوم تقول لنا اليوم، من خلال أهلها وحركتهم اليومية، إن لديها قدرة على النهوض.
والمطلوب منا أن نساعد هذه القدرة على التحول إلى مسار مستدام.
فالعودة تعني أن الناس بدأوا يأتون، أما التعافي الحقيقي فيعني أن المدينة أصبحت قادرة على الاحتفاظ بهم.
ومن هنا يبدأ العمل.
من استعادة الحياة، إلى استعادة المدينة.
ومن استعادة المدينة، إلى إعادة تشغيل الدولة.
ومن إعادة التشغيل، إلى بناء مستقبل لا نكتفي فيه بإعادة ما فقدناه، وإنما نصنع ما نحتاجه.
الخرطوم التي نكتشفها اليوم ليست فقط مدينة تعود من الحرب؛ إنها مدينة تمنحنا فرصة لنكتشف كيف يمكن أن نبني السودان من جديد.
م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني
