بين صراخ المعلمين و الغناء في المنصات…. و رقص الطلاب و الاستهتار بالمعلم في الفصول و الباحات……
و بين الفرحة و الاحتفال بالنجاح في الامتحانات….. و بين ( النطيط ) و السجود على العتبات….تسقط هيبة العلم و المعلم…. و تهتز جدر المؤسسات من صراخ أصحاب المدارس و المعلمين و المعلمات و الآباء و الأمهات….و تكاد تسقط الأسقف من صدى الأصوات……
قبل أسبوع نشرت على قناتي الخاصة في الواتساب (كلام زول) ، و على منصة صحيفة شيكان الإلكترونية التي تصدر من مدينة الأبيض على عمودي الراتب ( دار اللِبيِّض) رسالة في بريد المعلم ختمتها بوصية لأخي المعلم و اختي المعلمة قائلاً : أخي المعلم ، اختي المعلمة ، تذكر عندما تتحدث انك معلم ، و عندما تكتب أنك معلم، و عندما تمشي بين الناس انك معلم ، و عندما تجلس بينهم أنك معلم . و أن كلمة معلم (ديباجة) شرف خصك بها الله…. و المساس بها مساس بشرفك….
و من يتهاون فيها فعليه خلعها…. و ليسلك دروباً تناسب قوله و فعله…..
فالتعليم ليس وظيفة لإكتساب شهرة أو كسب مال بقدر ما هي مهنة إنسانية نبيلة لتلبية احتياجات البشرية بالنفع ….
و مهنة التعليم عمل رسالي لتمكين الطالب من المعارف و المهارات و القيم و الأخلاق النبيلة التي يعول عليها بناء شخصية الطالب ، و تطوير المجتمعات و بناء الأوطان…….
كم كان يحز في نفسي عندما أرى معلماً يقف أمام السبورة ليقدم حصة لغة انجليزية نموذجية على الفيس بوك و هو يقرأ و يترجم بالعربية ترجمة فورية دون أن يشرك الطلاب في استنباط الإجابة مما جعل الحصة تبدو كأنها حصة ترجمة و ليست درس!! …..
موقف هذا المعلم يذكرني طرفة وهي أن معلماً أراد شرح بيت الشعر :
يا ظبية البان ترعى في خمائله * ليهنك اليوم ان القلب مرعاك…
كتب البيت على السبورة و قرأه الطلاب فقال لتشرح البيت . و بدأ يسأل الطلاب :
يا ظبية أيه ؟ قالو ا : البان..
قال : مالها ؟ قالوا ترعى .. قال : وين ؟ قالوا في خمائله…
قال مفهوم ؟ قالوا : مفهوم ..
فقال : يلا نمشي البيت البعده !!!…..
و ما أكثر هؤلاء في زماننا هذا…..
و رأيت آخر يرقص في حصة التربية الإسلامية و غيره في حصة الجغرافية و آخر في حصة الرياضيات…..
و المؤسف كل ذلك عبر مكبرات الصوت في حجرة لا تتعدى مساحتها الخمس × تسعة أمتار فتصك آذان الطلاب بالضوضاء……
أي بدعة هذه أتى بها هؤلاء ؟ …. و من أين أتوا بها ؟………
أمن معاهد التدريب أم كليات التربية ،؟…. أم هي طرق تدريس حديثة لم يبلغ مبلغها السابقون ؟؟……..
ظللت أتابع هذه البدع و غيرها من الخزعبلات التي تطعن في أهلية المعلم السوداني و قدراته التي تشهد لها دول المحيط الإقليمي ويزداد طلبها كل يوم لإستعارته…. و كلما أمسك قلمي لتنبيه وزارة و مؤسسات التعليم المنطوط بها مراقبة و تصحيح مسار التعليم يشغلني عنها حدث آني لا يحتمل الإرجاء…..
كم فرحة انتابتني اليوم وأنا أجلس أمام الشاشة لمتابعة إعلان نتيجة الشهادة السودانية ٢٠٢٦م برغم أنه لم يكن لي ابن جلس لها. لكني حتي بلوغي سن المعاش ما زلت أرى كل طالب في اي مكان هو من طلابي ، و كل معلم و معلمة هو زميل . و أنا مازلت و سأظل من قبيلة التعليم…. و سيظل كل طالب و تلميذ إبن لي فأفرح معه لنجاحه ، و أطبطب عليه و أواسيه في عدم نجاحه ، و أقول له أن عدم النجاح هو طريق لنجاح قادم أقوى و أفضل……….
فرحت اليوم لنتيجة الشهادة السودانية التي ظلت تتحدى الظروف الصعبة ، و تتخطى العقبات الصلبة التي عثَّرت خطواتها كثيراً بسبب الحرب اللعينة…..
هذه الفرحة أنستني في وقتها تلك البدع فاعتبرتها (طلقة) في الهواء . لكن سرعان ما ذهب صوت تلك الطلقة مع الهواء فإذا طلقات أخرى تنبثق من ردهات المدارس ، و حناجر المعلمين ، و الأمهات و الآباء بالزغاريد و الكواريك و الصياح….
و ليتها وقفت عند هذا الحد !……
للأسف يتبعها سجود…. سجووووود… و سجود معلمة أمام الجموع من الحضور و على شاشات وسائل التواصل ، و ليتها كانت محتشمة بثوب أو عباءة !@….
معلمة تسجد و تؤم الساجدين من المعلمين… معلمون يسجدون خلفها ببدلاتهم و بزاتهم و ربطات اعناقهم الأنيقة تسبق جباههم لمكان السجود….
و ليته كان سجوداً لله !!!…..
فغردت ساعتها على ذلك بقولي : ـ
كم هو جميل أن يفرح المعلم بنجاح طلابه….
و كم هو جميل أن يشارك المعلم أسر طلابه بفرحة أبنائهم….
الفرحة مطلوبة ، و المشاركة مطلوبة ، لكن الغلو ليس مطلوب….
أنتم معلمون علموا طلابكم حدود الفرح و حدود الاحتفاء و الإحتفال……
علموهم أن السجود مكانه المصلاة و المسجد و ليس المسرح….علموهم أن السجود تلازمه سكينة و طمأنينة و خشوع ، و خنوع ، ليس زغاريد و عربدة و خلوع !!….
أفرحوا ولا تبالوا… لكن لا تغالوا……..
أظن أن رسالتي وصلت…..
و آخر قولي و ليس أخيراً (أوقفوا العبث بالتعليم)………
و ما قصدت إلا الإصلاح و الله على ما أقول شهيد…..
ونسأل الله أن يصلح حال بلدنا و أولياء أمورنا و قدواتنا و معلمينا…..
الأستاذ /الغالي الزين حمدون ..
٢٠٣٠٦/٩/١٠م…
