الإثنين, يوليو 27, 2026
الرئيسيةمقالاتمشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني ح (8) حين تفشل الهوية في...

مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني ح (8) حين تفشل الهوية في الجمع… تتحول إلى خطوط فصل غير مرئية داخل الوطن الواحد. بقلم/ زكريا علي عبدالرسول

بقلم الأستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي

● الهوية الوطنية وإعادة التأسيس… هل يمكن بناء هوية تتسع للجميع؟

في الحلقة السابقة تناولنا كيف تتعدد مصادر إنتاج الوعي داخل المجتمع بين الدولة والدين والمجتمع والبنى التقليدية، وكيف يؤدي غياب التنظيم المؤسسي لهذا التعدد إلى تشظي المرجعيات وتعدد تعريفات الحقيقة داخل المجال العام.

في هذه الحلقة ننتقل إلى السؤال الأكثر مركزية في مشروع إعادة التأسيس: هل يمكن بناء هوية وطنية جامعة في سياق سوداني متعدد ومعقد تاريخياً وثقافياً واجتماعياً؟

فالهوية الوطنية ليست شعاراً سياسياً، ولا صياغة قانونية، بل هي في جوهرها “إحساس مشترك بالانتماء” يتجاوز الانتماءات الجزئية دون أن يلغيها. إنها الإطار الذي يجعل التنوع قابلاً للعيش المشترك بدل أن يكون سبباً للتنازع.

لكن التحدي الأساسي في الحالة السودانية هو أن مشروع الهوية الوطنية ظل في كثير من مراحله مشروعاً غير مكتمل، إما لأنه صيغ من مركز ضيق لم يستوعب الأطراف، أو لأنه رُبط بسرديات سياسية متنافسة بدل أن يكون عقداً اجتماعياً شاملاً.

ومن هنا ظهرت الإشكالية: هل يمكن لهوية تُبنى في سياق من الاستقطاب التاريخي والسياسي أن تتحول إلى هوية جامعة فعلاً؟

إن فشل بعض مشاريع بناء الهوية في السودان لا يعود إلى استحالة التنوع، بل إلى غياب العدالة في تمثيل هذا التنوع داخل مؤسسات الدولة وخطابها الرمزي والسياسي. فعندما يشعر جزء من المجتمع بأنه خارج الصورة الرمزية للوطن، يبدأ في إنتاج تعريفه الخاص للانتماء.

وهنا يحدث الانقسام الرمزي قبل أن يحدث الانقسام السياسي. فالصراع لا يبدأ دائماً في السلطة أو السلاح، بل يبدأ في “من يمثل الوطن؟” و”من يُعرّف من هو السوداني؟”.

إن الهوية الوطنية الناجحة لا تقوم على فرض نموذج واحد للانتماء، بل على بناء مساحة مشتركة تسمح بتعدد التعبيرات داخل إطار جامع. وهذا يتطلب الاعتراف بالتنوع بوصفه حقيقة تأسيسية، لا حالة طارئة يجب تجاوزها.

كما يتطلب إعادة النظر في الرموز والسرديات التي تمثل الدولة، بحيث تكون قادرة على احتواء مختلف المكونات دون إقصاء أو تهميش، لأن الرموز ليست محايدة، بل هي جزء من بناء الوعي الجمعي.

وفي المقابل، فإن أخطر ما يهدد مشروع الهوية الوطنية هو تحويلها إلى أداة سياسية، تستخدم في الصراع على السلطة، بدل أن تكون إطاراً فوق سياسياً ينظم العلاقة بين الجميع.

فحين تتحول الهوية إلى مشروع احتكار، تفقد قدرتها على الجمع، وتتحول إلى عنصر إضافي في الصراع، بدلاً من أن تكون حلاً له.

ومن المهم التأكيد أن بناء هوية وطنية جامعة لا يعني إلغاء الهويات الفرعية أو تجاوزها قسراً، بل يعني تنظيم العلاقة بينها داخل إطار دولة عادلة، يشعر فيها الجميع بأنهم جزء من الكل دون أن يُطلب منهم التخلي عن خصوصيتهم.

إن الدولة الحديثة لا تقوم على إذابة الفوارق، بل على إدارة التعدد بشكل عادل ومنصف. وعندما تنجح الدولة في ذلك، تتحول الهوية الوطنية إلى طبقة عليا من الانتماء، تستوعب ما دونها دون أن تلغيه.

أما إذا فشلت الدولة في تحقيق هذا التوازن، فإن الهويات الفرعية تعود لتتصدر المشهد، وتصبح بديلاً عن الهوية الجامعة، وهو ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام بأشكال مختلفة.

ولهذا فإن مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني لا يمكن أن يكتمل دون إعادة التفكير في مفهوم الهوية نفسه، ليس بوصفه شعاراً، بل بوصفه بنية عميقة تحدد شكل الدولة ومستقبلها.

  • في الحلقة القادمة…
      العقد الاجتماعي في السودان… لماذا فشل التأسيس الأول؟
      سنناقش مفهوم العقد الاجتماعي، ولماذا لم ينجح في السودان بعد الاستقلال، وكيف تؤثر هشاشة هذا العقد في استمرار الأزمات السياسية، وما الذي يحتاجه أي مشروع جديد لإعادة التأسيس.
      هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.

.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات