الجمعة, يوليو 24, 2026
الرئيسيةمقالاتحين تعود المدينة… كيف نحمي أصولها العمرانية؟ ...

حين تعود المدينة… كيف نحمي أصولها العمرانية؟ بقلم: م. الصادق عباس نجّار

بقلم: م. الصادق عباس نجّار

في مراحل ما بعد الحرب، لا تبدأ معركة التعافي بإعادة فتح الطرق والأسواق فحسب، بل تبدأ باستعادة الثقة في المدينة نفسها.

فالمدينة التي خرجت من الحرب لا تحتاج إلى عودة الحركة اليومية فقط، وإنما تحتاج إلى إدارة واعية لهذه العودة، تدرك أن المباني ليست مجرد كتل من الخرسانة، بل هي جزء من اقتصاد الناس، وذاكرة المكان، واستمرار الحياة فيه.

لقد أظهرت الحرب، بكل قسوتها، أن كثيرًا من المباني لم تكن مهيأة لتحمل الصدمات، وأن سنوات من الإهمال وتأجيل الصيانة جعلت بعضها أكثر عرضة للتلف والانهيار عندما تعرضت للظروف الاستثنائية.

ومن هنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده:

كيف نعيد تشغيل المدينة دون أن نعيد معها أسباب الهشاشة التي كانت قائمة قبل الحرب؟

لا خلاف على أن إعادة فتح الأسواق، وتشغيل المرافق، وعودة المؤسسات، خطوات ضرورية لإعادة الحياة إلى المدينة. لكن التعافي لا يكتمل بمجرد فتح الأبواب، كما أن الصيانة لا تقتصر على إصلاح التشققات أو استبدال الأجزاء التالفة. فالمبنى جزء من منظومة حضرية متكاملة، وأي معالجة له ينبغي أن تنطلق من هذا الفهم.

وفي تقديري، فإن إدارة الأصول العامة في مرحلة ما بعد الحرب تمثل واحدًا من أهم اختبارات كفاءة الدولة، لأنها مطالبة بالموازنة بين ثلاثة اعتبارات لا يمكن إغفال أي منها.

أولها سلامة الإنسان، وهي الأولوية التي يجب أن تتقدم على كل ما سواها.

وثانيها حماية المال العام، فالمباني الحكومية ليست ملكًا لإدارة أو جيل بعينه، وإنما هي أصول وطنية ينبغي الحفاظ عليها وصيانتها بما يضمن استمرارها في خدمة الأجيال المقبلة.

أما الاعتبار الثالث، فهو إعادة تشغيل النشاط الاقتصادي والاجتماعي، لأن المدينة لا تستعيد عافيتها بمجرد بقاء المباني قائمة، وإنما عندما تعود إليها الحركة والعمل والإنتاج.

لهذا، فإن أي مشروع لصيانة أو تأهيل مبنى متضرر ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره عملية فنية معزولة، بل باعتباره جزءًا من برنامج متكامل للتعافي العمراني، تُبنى قراراته على التقييم الهندسي الدقيق، وترتيب الأولويات، والإدارة الرشيدة للموارد.

فالمدينة بعد الحرب تحتاج إلى أسلوب مختلف في الإدارة؛ إدارة تعتمد على المعلومات، وتستند إلى التقارير الفنية، وتوضح للرأي العام أسباب القرارات التي تتخذها، لأن الشفافية في مثل هذه المراحل تعزز الثقة وتدعم نجاح التنفيذ.

وفي الواقع، فإن أكبر تحديات إعادة الإعمار لا تتمثل في توفير مواد البناء أو المعدات بقدر ما تتمثل في استعادة الثقة بين المؤسسة والمجتمع.

فالمواطن الذي فقد منزله، أو متجره، أو مصدر رزقه، لا ينتظر فقط أن يرى مبنى أُعيد تأهيله، بل يريد أن يطمئن إلى أن مؤسسات الدولة تعمل وفق معايير واضحة، وأن ما يُنفذ اليوم سيصمد أمام تحديات الغد.

ومن هنا، فإن صيانة المباني المتضررة يمكن أن تتحول إلى نموذج عملي لإدارة التعافي؛ نموذج يلتقي فيه القرار الإداري بالمعرفة الهندسية، وتتكامل فيه الخبرة الفنية مع التواصل الصادق مع المجتمع.

فالخرطوم لا تحتاج إلى مبانٍ أكثر فحسب، بل تحتاج إلى إدارة أفضل لما تملك من أصول عمرانية.

وفي نهاية المطاف، يبقى التعافي الحقيقي هو ذلك الذي يحافظ على الإنسان، ويحسن إدارة الموارد، ويصون ذاكرة المدينة، دون أن يفقد نظرته إلى المستقبل.

فكل مبنى يُعاد تأهيله بصورة صحيحة لا يحمي جدرانًا فقط، بل يحفظ جزءًا من الاقتصاد، ويعزز الثقة، ويسهم في إعادة بناء المدينة على أسس أكثر استدامة.

ومن هنا تبدأ إعادة الإعمار الحقيقية… ليس بإعادة ما كان، وإنما ببناء ما ينبغي أن يكون.

م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني

https://www.facebook.com/share/p/1EEDEYf875
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات