- لم تعد أزمة البحر الأحمر ومضيق باب المندب مجرد مواجهة عسكرية إقليمية عابرة، بل تحولت إلى واحدة من أقسى الهزات التي تعرضت لها منظومة التجارة العالمية وأمن الطاقة منذ عقود.
- وفي قلب هذه العاصفة الجيوسياسية، وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام تحديات وجودية تمس شرايين صادراتها النفطية، واستراتيجيات تنويعها الاقتصادي، وأمنها البحري المباشر.
1. المشهد الاستراتيجي: تحويل باب المندب إلى “منطقة محظورة”
- نجحت جماعة الحوثي في اليمن، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، في فرض معادلة تعشيق عسكري مع الأزمات الإقليمية.
- شلل الملاحة الدولية: أدى تصاعد الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ضد السفن التجارية إلى إحداث تغيير درامي في خرائط الملاحة البحرية العالمية.
- تراجع التدفقات: اضطرت كبرى شركات الشحن العالمية إلى تفادي باب المندب والالتفاف حول القارة الأفريقية عبر طريق رأس الرجاء الصالح، مما ضاعف زمن الرحلات البحرية وتكاليفها بصورة غير مسبوقة. 2. التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية على المستوى العالمي
- تضخم المخاطر وأقساط التأمين: أدت التهديدات المستمرة إلى ارتفاع جنوني في تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب (War Risk Premiums) وأسعار السلع والمستهلكين في الأسواق العالمية والآسيوية والأوربية.
- تآكل الردع التقليدي: أثبتت التحالفات الدولية والعمليات العسكرية الغربية (مثل تحالف “حارس الازدهار” وعملية “إسبيدس” الأوربية، والضربات الاستباقية) محدوديتها في تحقيق ردع كامل نظراً لما تتمتع به الجماعة من مرونة ميدانية واكتفاء استراتيجي شبكي. 3. الانعكاسات المباشرة على أمن الطاقة واقتصادات دول الخليج العربي
تعتبر دول الخليج العربي المتضرر الأكبر والأكثر حساسية تجاه أي اضطراب في هذه الممرات، حيث يمتد الأثر ليشمل عدة مسارات حرجة:
- تهديد صادرات الهيدروكربون الاستراتيجية: تعتمد دول الخليج وفي مقدمتها (المملكة العربية السعودية) على البحر الأحمر كشريان تصدير حيوي وموازي لمضيق هرمز، وأن أي تهديد دائم أو حصار بحري محتمل يضرب “صمامات الأمان” لتصدير النفط والغاز نحو الأسواق الأوربية والآسيوية مثل (الهند والصين وباكستان) ويضع عصب الاقتصاد الخليجي في مهب الريح.
- تقويض خطط التنويع الاقتصادي والموانئ الإقليمية: استثمرت دول الخليج مليارات الدولارات في تطوير موانئها الساحلية ومناطقها الاقتصادية الحرة على البحر الأحمر وخليج العقبة ضمن رؤى التنمية المستقبلية مثل (رؤية السعودية 2030). وقد تعرضت هذه الاستراتيجيات لضغوط هائلة بسبب حالة “الشلل التجاري” والمخاوف الاستثمارية المحيطة بالمنطقة.
- ازدواجية المخاطر واختناق الممرات (مضيق هرمز ومضيق باب المندب): يواجه أمن الطاقة الخليجي كابوساً تتمثل ملامحه في الارتباط الجيوسياسي بين أمن مضيق هرمز (الذي تتحكم فيه إيران شريكة الحوثيين) وأمن مضيق باب المندب، مما يعني احتمالية تعرض خطوط الإمداد الخليجية لكماشة ضغط مزدوجة تفقد الخليج قدرته على المناورة وتصدير النفط بمرونة عند الأزمات.
- الأعباء الدبلوماسية والأمنية: تجد دول الخليج نفسها محاصرة بين ضرورة الحفاظ على مساعيها الدبلوماسية للتهدئة واستكمال مسارات السلام في اليمن، وبين حتمية مواجهة التهديدات المباشرة التي تمس استقرارها الوطني وأمن بنيتها التحتية للطاقة.
خلاصة الأمر
أثبتت أزمة البحر الأحمر أن أمن الخليج العربي وتجارة الطاقة العالمية هما وجهان لعملة واحدة. ومع استمرار الأنشطة العسكرية الحوثية وعجز الحلول العسكرية المنفردة عن حسم الموقف، تتزايد الحاجة الملحة لصياغة مقاربة أمنية إقليمية ودولية شاملة تضمن حرية الملاحة، وتحيد إمدادات الطاقة عن صراعات النفوذ في المنطقة، وتفتح الباب أمام تسويات سياسية مستدامة تنهي الأزمة اليمنية من جذورها.
بقلم / عميد شرطة (حقوقي)
م. محمد علي عبدالله عبد الدائم
