السبت, سبتمبر 12, 2026
الرئيسيةمقالاتصراع العروش على جماجم ونعوش الشعب ...

صراع العروش على جماجم ونعوش الشعب من يحكم السودان… والشعب أين؟ (2) الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

في الجزء الأول سألنا:

هل بدأ سباق الكراسي قبل أن تتوقف المدافع؟

واليوم، ومع اتساع الحديث عن المبادرات والحوارات والكتل والمواثيق، لا أريد أن أكرر السؤال نفسه.

أريد أن أذهب إلى ما هو أبعد:

إذا كنا لم نتفق حتى الآن على طريقٍ واحد لإنقاذ السودان، فكيف اتفقنا على أن نتحدث باسمه؟

لا نتفق على حوارٍ واحد، ثم نقسم الحوار إلى «كيمان»، وكل «كوم» يقول: نحن نتحاور من أجل السودان.

كل مبادرة تقول السودان.

كل كتلة تقول السودان.

كل مؤتمر يرفع اسم السودان.

كل بيان يتحدث عن الشعب السوداني.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، بلا مجاملة:

أي سودان نتحدث عنه؟

ومن هو السودان الذي نتحدث باسمه؟

هل هو السودان الذي تتوزع خرائطه على طاولات السياسة؟

أم السودان الذي يعيش فيه المواطن، ويدفع ثمن كل قرار، وكل خلاف، وكل فشل؟

لأن الحقيقة التي يبدو أننا ننسى أبسط معانيها هي:

الوطن مواطن.

وحين نقول السودان، فنحن لا نتحدث عن قطعة أرض فقط، ولا عن سلطة، ولا عن جيش، ولا عن حزب، ولا عن حركة، ولا عن كتلة سياسية.

نتحدث عن إنسان.

عن أمنٍ وأمان.

عن بيتٍ آمن.

عن مدرسة.

عن مستشفى.

عن سوق.

عن عمل.

عن لقمةٍ كريمة.

عن كرامة.

عن الحياة نفسها.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فنحن نتحدث عن السياسة، ونشرّع في قوانينها، ونضع شروطها، ونختلف على مَن يدخل الحوار ومَن يخرج منه، ومَن يمثل الشعب ومَن لا يمثله، بينما لم نستطع حتى الآن أن نتفق على سياسة واحدة تنقذ الإنسان السوداني من نتائج الحرب.

نعم، توجد سياسة.

لكن إن أردنا أن نسمي الأشياء بأسمائها، فأي سياسة تلك التي أنتجت هذا القدر من التجويع والإفقار والذل والهوان والضعف والفشل والإخفاق؟

وأي سياسة تلك التي جعلت المواطن يبحث عن أبسط مقومات الحياة، بينما تنشغل النخب بالسؤال:

من يجلس؟ ومن يتحدث؟ ومن يمثل؟ ومن يقود؟

هل أصبحنا نبحث عن شكل الدولة قبل أن ننقذ الإنسان الذي يفترض أن تكون الدولة من أجله؟

وهل أصبحنا نختلف على عرشٍ لم يبقَ تحته شعبٌ قادر على احتمال المزيد؟

كيمان الحوار….

الحوار في ذاته ليس مشكلة.

بل ربما يكون الحوار هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يفتح بابًا للخروج من هذه الحرب إذا كان حوارًا حقيقيًا، واسعًا، سودانيًا، ويضع مصلحة البلاد فوق مصالح المتنافسين.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الحوار نفسه إلى «كيمان».

هذا حوارنا.

وهذا حواركم.

هذه كتلتنا.

وتلك كتلتكم.

هذا مقبول.

وذاك مرفوض.

هذا يمثل المدنيين.

وذاك يمثل الدولة.

وهذا يمثل الثورة.

وذاك يمثل الجيش.

وآخر يقول إنه يمثل الشعب.

حتى أصبحنا أمام سؤال غريب:

هل نتفاوض من أجل السودان، أم نتفاوض على السودان؟

وإذا كان الحوار السوداني–السوداني هو الطريق، فليكن سودانيًا بالفعل؛ لا مجرد عنوان جديد لصراع قديم على التمثيل والنفوذ.

وليس المطلوب أن يتفق السودانيون على كل شيء قبل أن يجلسوا.

فلو كنا متفقين، لما احتجنا إلى الحوار أصلًا.

المطلوب أن نجلس لأننا مختلفون، وأن نختلف دون أن نحول الاختلاف إلى إقصاء، وأن نضع على الطاولة ما يخشاه الناس وما يحتاجونه، لا فقط ما تريده الكتل.

من فوّضكم باسم الشعب؟

حين يأتي طرح الحوار من مؤسسات الدولة وقيادتها، فإنه يأتي من موقع رسمي داخل الدولة.

وحين تأتي المبادرات من القوى السياسية والمدنية، فهي تملك حق المبادرة والتعبير وطرح رؤاها.

وحين تأتي الكتل بمشروعاتها، فهي تملك حق العمل السياسي.

لكن لا أحد، مهما كان موقعه أو اسمه أو تاريخه، يملك الشعب بالتوكيل الشفهي.

الشعب ليس توقيعًا في نهاية بيان.

وليس عددًا في مؤتمر.

وليس صورة جماعية حول طاولة.

وليس شعارًا يوضع على صدر مبادرة.

الشعب هو صاحب الحق الأول في تقرير مستقبله.

ولهذا فإن السؤال ليس:

من يحق له أن يتحدث؟

بل:

هل ما نقوله يعبّر فعلًا عن احتياجات من نتحدث باسمه؟

من يصنع السياسة… ومن يدفع ثمنها؟

السياسة ليست بيانات.

وليست مؤتمرات.

وليست خرائط طريق تُكتب ثم تُحفظ في الأدراج.

السياسة في النهاية نتائج.

فإذا كان القرار السياسي لا يصل إلى المواطن إلا في صورة ارتفاع أسعار، وانقطاع خدمات، وفقدان أمن، وضياع تعليم، وتعطل علاج، واتساع نزوح، وانسداد أفق…

فعلينا أن نتوقف ونسأل:

ما الذي أنتجته سياستنا؟

وليس من المقبول أن يتحول المواطن إلى متفرج دائم على السياسة، ثم يُطلب منه أن يدفع فاتورتها كل يوم.

نحن لا نحتاج فقط إلى سياسة لإنهاء الحرب.

نحتاج إلى سياسة تمنع صناعة جيل كامل من اليأس والفقر والضياع.

نحتاج إلى سياسة تعيد للدولة وظيفتها.

وإلى قانون يحمي الناس لا يخيفهم.

وإلى عدالة تحاسب دون انتقام.

وإلى اقتصاد ينتج حياة لا يوزع العجز.

وإلى دولة يكون السلاح فيها تحت مظلة مؤسساتها، لا بديلًا عنها.

صناعة العمى…….

وهنا أصل إلى منطقة أخطر.

لقد أصبح الرأي العام كثيرًا ما ينشغل بما لا يستحق كل هذا الضجيج، بينما تُدفع القضايا التي تستحق أن تكون في مقدمة النقاش إلى تحت طاولة السياسة.

لماذا؟

لماذا نترك المواطن يطارد أخبار الخلافات بين الكتل، بينما لا يجد إجابة واضحة عن مستقبله؟

لماذا يصبح السؤال عن الأشخاص أعلى صوتًا من السؤال عن البرامج؟

لماذا نتجادل حول من يمثل الشعب، ولا نسأل ماذا سيقدم هذا التمثيل للشعب؟

لماذا نناقش شكل السلطة قبل أن نناقش شكل الحياة التي سيعيشها الناس تحت تلك السلطة؟

هذه ليست دعوة إلى تغييب السياسة.

بل العكس تمامًا.

هذه دعوة إلى إعادة السياسة إلى مكانها الصحيح.

فالسياسة التي لا ترى الإنسان تتحول إلى لعبة.

والسياسة التي تستخدم الإنسان وقودًا تتحول إلى كارثة.

والسياسة التي تشغل الناس بالضجيج عن القضايا الحقيقية تصنع نوعًا من العمى السياسي؛ لا لأن الشعب لا يرى، وإنما لأن كثرة الضجيج قد تجعل ما يستحق الرؤية أقل وضوحًا.

والكتل؟

الكتلة الديمقراطية، والكتل المدنية الأخرى، والقوى السياسية والحركات والمبادرات المختلفة، كلها أمام اختبار حقيقي.

ليس اختبار البيانات.

ولا اختبار القدرة على حشد الأسماء.

ولا اختبار عدد المقاعد حول الطاولة.

بل اختبار بسيط جدًا:

ماذا ستقدمون للسوداني الذي لا يعرف أسماء كُتلكم أصلًا؟

ماذا ستقولون لبائعة الشاي؟

للعامل؟

للمزارع؟

للطالب الذي انقطعت دراسته؟

للأسرة التي نزحت؟

لمن فقد مصدر رزقه؟

لمن يريد فقط أن ينام ليلة واحدة دون خوف؟

هل سيجد هؤلاء مكانًا حقيقيًا في مشاريعكم السياسية، أم سيظل اسم المواطن حاضرًا في مقدمة البيانات وغائبًا عن صناعة القرار؟

لا أقول إن الكتل لا حق لها في الوجود.

ولا أقول إن المبادرات لا قيمة لها.

ولا أرفض الحوار.

لكنني أرفض أن يتحول الحوار إلى غاية بدل أن يكون وسيلة.

وأرفض أن يصبح التمثيل غنيمة.

وأرفض أن يصبح اسم الشعب بطاقة عبور إلى السلطة.

لا نريد سلامًا على الورق

لقد شهد السودان خلال سنوات الحرب مبادرات كثيرة:

جدة، إيغاد، الاتحاد الأفريقي، القاهرة، جنيف، باريس، برلين، والرباعية والخماسية، إلى جانب مسارات وكتل ومواثيق ومبادرات سودانية أخرى.

وكل مسار أضاف شيئًا إلى المشهد، لكن السؤال الذي يجب ألا نخاف منه هو:

ماذا أنتجت كل هذه المسارات، وإلى أي مدى أسهمت في دفع طريق السلام نحو نتيجة حقيقية؟

هنا فقط نستطيع أن نقيس نجاح أي مبادرة.

فالمبادرة التي لا تتحول إلى فعل، تظل مبادرة.

والحوار الذي لا ينتج تغييرًا، يظل حوارًا.

والبيان الذي لا يتحول إلى أثر، يظل بيانًا.

لأن السودان في النهاية ليس جائزة يتنافس عليها أصحاب المبادرات والكتل والمواثيق.

السودان ليس جائزة

لا الجيش يملك السودان.

ولا حزب يملكه.

ولا حركة تملكه.

ولا كتلة.

ولا مبادرة.

ولا مؤتمر.

ولا شخصية سياسية، مهما كان وزنها.

السودان ليس غنيمة حرب.

ومن حمل السلاح دفاعًا عن الوطن لا يصبح مالكًا له.

ومن جلس في مؤتمر سياسي لا يصبح تلقائيًا ناطقًا باسم الشعب.

ومن امتلك منبرًا إعلاميًا لا يملك حق اختزال السودان في صوته.

ومن جاء بمبادرة لا يملك حق تحويلها إلى تفويض مفتوح.

الوطن أكبر من الجميع.

والشعب ليس تفصيلًا يأتي بعد الاتفاق على السلطة.

بل هو سبب وجود السلطة أصلًا.

فماذا نريد؟

نريد حوارًا، نعم.

لكن نريد حوارًا لا يخاف من الحقيقة.

حوارًا لا يبدأ بالسؤال: من يقود؟

بل يبدأ بالسؤال:

كيف ننقذ السودان؟

نريد كتلاً تعرف أن قوتها ليست في عدد الأسماء التي تجلس معها، وإنما في قدرتها على تقديم مشروع يراه المواطن في حياته.

نريد دولة لا تُختزل في الحكومة.

ولا الحكومة في حزب.

ولا السلطة في كرسي.

نريد دولة مؤسسات وقانون وعدالة واقتصاد وخدمات.

نريد سلامًا لا يجمّد الحرب فقط، بل يعالج أسبابها.

وعدالة لا تتحول إلى انتقام.

ومصالحة لا تعني نسيان الحقوق.

وانتقالًا لا يكون مجرد طريق مختصر إلى كراسي جديدة.

وأقولها بوضوح

إذا كان الجميع يتحدث عن السودان، فليجب الجميع عن سؤال السودان.

إذا كان الجميع يريد الحوار، فليتفقوا على أن المواطن ليس خارج قاعة الحوار.

وإذا كان الجميع يريدون الدولة، فليتفقوا أولًا على أن الدولة ليست كرسيًا.

وإذا كان الجميع يريدون الديمقراطية، فليتذكروا أن الشعب لا يصبح ديمقراطيًا فقط عندما يحين موعد الانتخابات؛ بل يجب أن يكون حاضرًا في صناعة الطريق إليها.

وإذا كان الجميع يقولون إنهم يريدون إنقاذ الوطن، فليتوقفوا لحظة عن السؤال:

من سيحكم؟

وليسألوا:

ماذا سنفعل بمن تبقى من الشعب؟

لأنني أخشى أننا، وسط هذا الكم الهائل من الكلام السياسي، بدأنا ننسى السؤال الأهم:

هل نعرف الإنسان السوداني الذي أصبح الوطن بالنسبة إليه شيئًا بسيطًا جدًا؟

بيتًا آمنًا، ولقمةً كريمة، ودواءً متاحًا، ومدرسةً مفتوحة، ودولةً تحفظ كرامته؟

ذلك هو السودان… الوطن مواطن.

ولهذا لن يكون إنقاذ السودان بتقسيمه إلى «كيمان» سياسية، ولا بإكثار المنابر، ولا بتبديل أسماء المبادرات.

إنقاذ السودان يبدأ حين نكف عن استخدام المواطن شاهدًا في البيانات، ونجعله شريكًا في صناعة المستقبل.

فقد سمعنا الكلام كثيرًا.

وحان الوقت أن نرى الفعل.

أوقفوا النزيف أولًا.
ابنوا الدولة ثانيًا.
ثم دعوا الشعب يقول كلمته.

فالعرش يمكن أن ينتظر…

أما الوطن فلا.

ولا تجعلوا النعوش سُلّمًا إلى العروش.

يتبع…

✍️……..

#انا الرسالة حين يضيع البريد..
#انا امرأة من حبر النار..
#سلام وأمان، #فالعدل ميزان.

✒️ عبير نبيل محمد

صراع#العروش_على_جماجم_ونعوش_الشعب

#السودان

#الحوار_السوداني_السوداني

#السودان_أولاً

#الوطن_مواطن

#لا_إقصاء

#السلام_والعدالة

الدولة_السودانية

#صوت_الشعب

#العدل_ميزان

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات