الأحد, يوليو 19, 2026

أبعاد مصطفى بشير عيسى
أمريكا… شريك بالصمت و الفعل؟

لم يعد يكفي أن ترفع الولايات المتحدة شعارات السلام، وأن تتحدث عن حماية المدنيين، بينما الشركات الأمريكية تلعب دورا جوهريا في الحرب الدائرة بالسودان، وفق ما كشفه تحقيق استقصائي نشرته وكالة رويترز.  هذه الوقائع، لا تمثل مجرد تجاوزات لشركات أمريكية، وإنما تكشف خللاً عميقاً في منظومة الرقابة الأمريكية، وتضع واشنطن أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية لا يمكن التنصل منها.
إن أخطر ما كشفه التحقيق ليس فقط الحديث عن شبكة طيران وشركات أمنية يقودها ضابط أمريكي سابق، وإنما أن هذه الأنشطة – ظلت تعمل لفترات طويلة دون أن تواجه باجراءات رادعة، رغم خطورتها المتعلقة بدعم العمليات اللوجستية لمليشيا الدعم السريع في حربها ضد الشعب السوداني التى أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت الملايين من السودانيين.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كل سوداني: كيف يمكن للإدارة الأمريكية أن تدعو إلى هدنة، بينما  شركاتها تحمل الجنسية الأمريكية و يديرها أمريكيون سابقون في مسرح الحرب؟ وكيف يطالب الوسطاء السودانيين بضبط النفس، إذا كانت شبكات الإمداد العسكري الامريكية لا تزال محل اتهامات بأنها تسهم في استمرار النزاع؟
إن واشنطن مطالبة اليوم بأكثر من بيانات الشجب. إنها مطالبة بفتح تحقيق شفاف ومستقل، ومحاسبة أي شركة اميكية أو فرد يثبت تورطه، مهما كانت صفته أو نفوذه. أما الصمت، فإنه يبعث برسالة خاطئة مفادها أن الأرباح يمكن أن تتقدم على المبادئ، وأن دماء السودانيين ليست أولوية.
كما أن أي حديث عن جهود الرباعية أو المبادرات الإنسانية يفقد كثيراً من قيمته إذا لم يترافق مع موقف واضح وحازم تجاه كل مصادر تسليح وتمويل وإمداد المليشيا الارهابية . فلا يمكن أن يُطلب من السودانيين إلقاء السلاح، بينما يتدفق الدعم العسكري واللوجستى للمليشيا الارهابية دون مساءلة.
إن الشعب السوداني لا يرفض السلام، لكنه يرفض أن يتحول السلام إلى وسيلة لتجميد حقه في الدفاع عن دولته وسيادته، بينما تستمر الاتهامات بتغذية الحرب من خلف الستار. فالسلام الحقيقي يبدأ بإيقاف كل أشكال الدعم العسكري واللوجستى للمليشيا ، وكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كانت جنسيته أو موقعه.
لقد أثبت السودانيون أنهم أصحاب قضية وطن، وأن الدفاع عن الدولة ليس خياراً سياسياً عابراً، بل واجب تفرضه السيادة وحماية الأرض والإنسان. وإذا أراد المجتمع الدولي أن يستعيد ثقة السودانيين، فعليه أن يتعامل مع هذه الحقائق بأقصى درجات الجدية والشفافية، لا أن يكتفي بخطابات الوساطة، بينما تبقى الأسئلة الكبرى بلا إجابة.
فالسودان لن يقبل بازدواجية المعايير، ولن يقبل أن يكون ساحة حرب يستثمر فيها الآخرون سياسياً أو اقتصادياً، ثم يطالبون أبناءه بالصمت. العدالة تبدأ بكشف الحقيقة، والسلام يبدأ بإيقاف كل من يمد هذه المليشيا بالسلاح

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات