.
في زمنٍ ما تزال فيه الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على السودان، يصبح استمرار عجلة الإنتاج، وافتتاح المشروعات التنموية، رسالةً تؤكد أن إرادة البناء ما زالت تقاوم ركام الحرب.
ومن هذا المنطلق، يُعد افتتاح المعمل المركزي للأبحاث الجيولوجية بولاية نهر النيل، خلال زيارة السيد وزير المعادن، خطوةً تستحق التقدير؛ فهو استثمارٌ في العلم، ودعمٌ للاستكشاف، ورسالةُ ثقةٍ بأن السودان، رغم ما يمر به، ما زال قادرًا على البناء والإنتاج والتخطيط للمستقبل.
ولا ينبغي أن يُفهم النقد على أنه انتقاصٌ من هذا الإنجاز، كما أن الاحتفاء به لا يعني إغفال ما يواجهه القطاع من تحديات.
فالصحافة ليست مرآةً تعكس نصف الصورة، وإنما ضميرٌ يرى المشهد كاملًا، ويحتفي بالنجاح حين يتحقق، ويشير إلى مواضع الخلل حين تظهر؛ لأن البناء الحقيقي يبدأ بالاعتراف بما يجب إصلاحه.
ومن هنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي تأجيله:
إذا كانت الدولة قد افتتحت معملًا لاستخراج الذهب من باطن الأرض، فمتى نفتتح مشروعًا وطنيًا لاستخراج الإنسان من تحت ركام الحرب؟
ذلك لأن القضية لم تعد قضية ذهبٍ فقط، بل قضية إنسان.
لقد بدأنا نبني المعامل، ونعمل على تنظيم القطاع، لكن النهضة الحقيقية لن تكتمل إذا سبق إصلاحُ الحجر إصلاحَ البشر.
فالإنسان هو الثروة الأولى، وما عداه وسائل.
ومن هنا تبدأ الحكاية الأخرى…
الحكاية التي لا ترويها التقارير الرسمية، ولا تنقلها عدسات الكاميرات كاملة، بل يكتبها الواقع كل يوم في أسواق التعدين، حيث يلتقي بريق الذهب بأسئلةٍ موجعة عن الإنسان، والعدالة، والكرامة، ومستقبل وطنٍ لا يجوز أن تُقاس نهضته بما يخرجه من باطن الأرض وحده، بل بما يحفظه من كرامة الإنسان فوقها.
فهناك، لا يتحدث الناس كثيرًا عن نسب الإنتاج أو حجم الاحتياطي، بقدر ما يتحدثون عن تفاصيل الحياة اليومية؛ عن الإنسان الذي خرج يبحث عن الرزق، فوجد نفسه يصارع واقعًا أكثر قسوة.
وهنا تبرز أسئلة لا تقل أهمية عن أي إنجاز:
هل وصل التنظيم إلى كل مواقع التعدين؟
وهل وصلت هيبة القانون إلى كل الأسواق؟
وهل أصبح الإنسان محور التنمية، أم ما يزال يدفع ثمنها؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الجهود التي تبذلها وزارة المعادن لتنظيم القطاع وتطويره، لكنها تضع الجميع أمام حقيقةٍ راسخة، وهي أن نجاح أي إصلاح لا يُقاس بالقرارات المعلنة، وإنما بما ينعكس على حياة الناس، وبمدى شعور المواطن بأن القانون يحميه كما يحمي الثروة.
فالواقع في مناطق التعدين ما يزال يفرض تحديات لا يمكن تجاهلها.
هناك أطفالٌ كان ينبغي أن يكونوا على مقاعد الدراسة، فإذا بهم في بيئات عملٍ شاقة، يواجهون مخاطر لا تليق بأعمارهم. وهناك مجتمعاتٌ تطالب برقابة أكثر فاعلية، وبتطبيقٍ صارمٍ للقانون، وبحمايةٍ حقيقيةٍ من الممارسات التي تمس أمن الإنسان وكرامته، ومن انتشار المخدرات، واستغلال الفئات الضعيفة، وغيرها من الظواهر التي تستوجب التحقيق والمساءلة كلما قامت بشأنها دلائل أو شكاوى جدية.
فالدولة القوية لا تخشى كشف الخلل، بل تبدأ إصلاحها بالاعتراف به، ثم معالجته وفق القانون.
وهنا يبرز سؤال المسؤولية:
هل تقع على وزارة المعادن وحدها؟
الإجابة: لا.
فوزارة المعادن تضع السياسات، وتنظم النشاط الفني، لكن نجاحها مرهونٌ بتكامل الأدوار مع حكومة الولاية، والأجهزة الشرطية والأمنية، والنيابة، والسلطة القضائية، والجهات المعنية بحماية الطفل والصحة والبيئة، إلى جانب الشركة السودانية للموارد المعدنية، والشركات العاملة في القطاع.
فحكومة الولاية ليست مجرد مستضيفٍ للزيارات الرسمية، بل شريكٌ مباشر في فرض هيبة القانون، وتنظيم الأسواق، وحماية المجتمع، وتوفير الخدمات الأساسية.
كما أن الشركات لا يقتصر دورها على استخراج الذهب، بل يمتد إلى الوفاء بمسؤوليتها المجتمعية تجاه المناطق التي تعمل فيها؛ فالمدرسة، والمركز الصحي، ومياه الشرب، وبرامج حماية الطفل والمرأة، ليست أعمالًا خيرية، وإنما حقٌ أصيلٌ للمجتمعات التي خرجت من أرضها هذه الثروة.
فالاستثمار الحقيقي لا يقف عند حدود الإنتاج، وإنما يُقاس بما يتركه من أثرٍ دائم في حياة الناس؛ فالمدرسة التي تُبنى، والمريض الذي يجد علاجًا، والطفل الذي يعود إلى مقعد الدراسة، والشاب الذي يجد فرصة عملٍ كريمة، كلها مؤشرات نجاحٍ لا تقل أهمية عن مؤشرات الإنتاج والعائد الاقتصادي.
إن التنمية التي لا يشعر بها الإنسان تبقى تنميةً ناقصة.
والذهب الذي لا ينعكس أثره على حياة الناس يفقد جانبًا كبيرًا من قيمته.
فليست القضية أن نستخرج الذهب…
القضية أن يشعر المواطن، بعد كل هذا الذهب، بأن نصيبه من الثروة هو الأمن، والعدالة، والتعليم، والكرامة، لا أن يبقى يبحث عنها في وطنٍ يفيض خيرًا.
إصلاح الإنسان أولًا… ثم بناء الأرض
في النهاية، ليست القضية أن نستخرج الذهب من باطن الأرض فقط، بل أن نحافظ على الإنسان الذي يقف فوقها.
فالثروات لا تصنع الأوطان وحدها؛ فالإنسان هو الثروة الأولى، وما عداه وسائل.
لسنا في سباقٍ لمعرفة من يستخرج الذهب أكثر، بل نحن أمام مسؤوليةٍ أكبر: أن نعيد بناء الإنسان السوداني الذي أنهكته الحرب، وأن نجعل التنمية طريقًا للكرامة، لا مجرد أرقامٍ في التقارير.
فكما تطحن الطواحينُ الصخورَ لتستخرج الذهب، فقد طحنت الحربُ أحلامًا كثيرة، وأرهقت أجيالًا، وشرّدت أسرًا، وتركت في النفوس ندوبًا لا تبرؤها إلا العدالة، وسيادة القانون، والتعليم، والرعاية، وإعادة بناء الثقة بين الإنسان ووطنه.
والفرق كبير…
فالصخر حين يُطحن قد يخرج منه الذهب، أما الإنسان إذا فقد الحماية والكرامة، فقد نخسر أثمن ما نملك.
لذلك، فإن النهضة الحقيقية لا تُقاس بعدد المعامل التي تُفتتح، ولا بحجم الثروات التي تُستخرج، بل بعدد الأطفال الذين عادوا إلى مدارسهم، وعدد الأسر التي استعادت أمنها، وعدد المواطنين الذين شعروا أن القانون يحميهم قبل أن يحمي الثروة.
فالذهبُ ثروةٌ تُستخرج من باطن الأرض، أما الإنسانُ فهو الوطنُ كلُّه. وإذا ضاع الإنسان، فلن تُغني الأرضُ بما أخرجت من كنوزها، لأن قيمة الثروات لا تُقاس بما تُنتجه، بل بما تصنعه من حياةٍ كريمة، وعدالة، وأمل.
إذا نهض الإنسان… نهضت الأرض.
وإذا صلحت الأرض… احتضنت إنسانًا قادرًا على حمايتها.
ذلك هو السودان الذي نحلم به؛ وطنٌ تُستخرج من أرضه الخيرات، دون أن تُستنزف كرامة أبنائه، وتُفتح فيه المعامل جنبًا إلى جنب مع المدارس، والمستشفيات، ومراكز التدريب، ومشروعات بناء الإنسان.
ففي النهاية… لن يكون الذهبُ أعظمَ ما نملك، بل الإنسانُ الذي يحرس الأرض، ويصنع المستقبل، ويحفظ للوطن كرامته. فحيثُ تُصان كرامة الإنسان، تزدهر الثروات، ويستقيم ميزان الأوطان.
فالتاريخ لا يخلّد أكثر الأمم ثراءً، وإنما يخلّد الأمم التي جعلت من الإنسان أغلى من كل ثروة.
سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.
✒️ تَوْقِيعٌ…….
أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد…
أنا امرأةٌ من حبرِ النار، أخطُّ وجعَ الوطن على صفحات الصبر، وأحرسُ بالكلمة ما تبقى من نور الإنسان.
رسالةٌ أخيرة…
لن يحجب بريقُ الذهب وجعَ الإنسان بعد اليوم.
لن تُدفن الحقائق تحت ركام الذهب، ولن تبقى مآسي الناس في الظل، ولن تظل صرخاتُ المظلومين حبيسةَ الصمت.
لن تبقى معاناةُ الناس، ولا ما يُثار من شكاوى ومخاوف بشأن بعض أسواق التعدين في دار مالي، والعبيدية، وغيرها من مناطق التعدين، طيَّ النسيان. فكل شكوى تستحق أن تُسمع، وكل ادعاء يستحق التحقيق، وكل مظلمة تستحق الإنصاف، وكل تقصير يستوجب المساءلة وفق القانون.
أما الكلمة الحرة، فلا تُشترى، ولا تُرهب، ولا تعرف المساومة. وستظل شاهدةً على الحقيقة، تكتب حتى ينتصر الحق، ويعلو صوتُ الإنسان فوق بريق الذهب، وتصبح كرامةُ المواطن هي الثروةَ الأغلى في هذا الوطن.
فالصمتُ لا يبني وطنًا، والعدلُ لا يكتمل إلا حين يرى الناس أن القانون يحمي الإنسان كما يحمي الثروة.
✒️ عبير نبيل محمد
