بقلم/ د. اسماعيل الحكيم
أحسب أنه لم تكن الحروب في تاريخ الأمم مجرد نوازل تُهدم فيها الجدران وتُسفك دماء الأرض، إنما هي في عمقها ومآلاتها زلازل وجودية تعيد فرز المفاهيم، وتصقل وعي الشعوب في أتون المعاناة. واليوم، إذ يقف السودان على عتبات مرحلة جديدة من تاريخه، تبرز في الأفق عبارة “العودة الطوعية” لا كشعار بروتوكولي محدود ، ولكن كمفهوم فلسفي واجتماعي غير مسبوق في قاموس الوجدان السوداني؛ مفهوم يتجاوز جغرافية المكان إلى فضاء الفكرة، ويؤسس لعهدٍ قوامه ، التعافي بساعد الجميع، والإعمار بفكر الكل ..
عقوداً طويلة، ظل العقل الجمعي السوداني أسيراً لثقافة “الدولة الرعائية” المطلقة. تشرّب المواطن نظرة قاصرة تُصوّر الحكومة جهة مانحة، ينبغي أن تُقدّم كل المتاح والمستحيل على طبق من ذهب، في علاقة اتكالية أحادية الجانب، حوّلت الوطن في مخيلة الكثيرين إلى موقع للخدمات لا ملاذاً للتضحيات”.
إن مشروع “العودة الطوعية” بمفهومه الراهن يأتي كصدمة وعي إيجابية، ليزلزل هذه الرؤية التقليدية ويعيد صياغة العقد الاجتماعي بين القمة والقاعدة. إنها دعوة صريحة لإسقاط عقلية “الانتظار” واستبدالها بـ”المبادرة”، وتحويل المواطن من مستهلك سلبي للخدمات إلى شريك استراتيجي في صنع القرار وبناء الواقع. لتحطيم الصنمية الرعائية ، القائمة من طبق الذهب إلى سواعد البناء
إن العودة الطوعية اليوم لا تعني مجرد ارتداد مادي إلى بيوت هجرها أصحابها، إنما هي إبحارٌ قاصد نحو الذات الوطنية . وتجسيد حي لمعادلة التوازن المفقود، حيث تلتقي الدولة والمجتمع في منتصف الطريق، مدفوعين بروح التكافل والتآلف.
ليس الوطن ما تمنحه لك الحكومة، ولكنه ما تزرعه أنت في ترابه لتأكل منه الأجيال القادمة.
ومن هنا، يصبح هذا المشروع بمثابة عربون شراكة مجتمعية وتكاملية . شراكة لا تقوم على المصلحة الآنية ، بل تتغذى على التضحيات المشتركة. حين يمتزج عرق المواطن بجهد الدولة في رصف طريق، أو ترميم مدرسة، أو إحياء مشفى، يولد ارتباط قدسي بين الإنسان والتراب. إنها عملية إعادة صهر للهوية السودانية، تُعلي من قيمة الأرض والعرض، وتجعل من “الوطنية” سلوكاً يومياً يُمارس، لا نشيداً يُعزف عند الملمات ..
إن أبلغ ما تصبو إليه هذه الرؤية الجديدة هو تذويب الفجوة التاريخية والتوجس المزمن بين المواطن والسلطة. فالإعمار لم يعد هبة تجود بها الحكومات، إنما ملحمة وطنية يشترك فيها الحاكم والمحكوم. ليوجِد هذا التلاحم روحاً جديدة تسري في جسد الأمة، تحوّل الدولة من كيان بيروقراطي جاف إلى مظلة جامعة، وتحوّل المجتمع من جزر معزولة إلى ورشة عمل كبرى.
إن السودان ما بعد الحرب لا يمكن أن يُبنى بذات الأدوات والذهنيات التي سبقت ، إن العودة الطوعية هي بوابتنا الكبرى للعبور نحو المستقبل؛ إنها نداء الأرض لـبَنِيها، واختبار حقيقي لعزمنا على النهوض.
لقد انتهى عهد الانتظار، وبدأ عهد الابتكار والعمل التشاركي. فلتكن عودتنا طوعية، واعية، ومسلحة بالأمل والسواعد، لنسطر معاً ملحمة الفجر الجديد، حيث الوطن هو المبتدأ، والإعمار هو الخبر.
