الإثنين, يونيو 22, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة قضية معلمي كسلا .. الحل في صرف الحقوق لا فرض الرسوم

رجلاً اشتكى لصديقه من كثرة الالتزامات ، البيت الاولاد المدارس الجامعات ، الاهل الأصحاب الدولة فقال له صديقه مازحاً: يا زول إنت باقي ليك شنو؟ ، فأجاب الرجل: باقي لي الحكومة تديني مفاتيح الوزارة وأشوف شغلي براي ، يبدو أن هذه الطرفة لم تعد مجرد نكتة للتسلية ، بل تحولت شيئاً فشيئاً إلى واقع يعيشه المواطن السوداني والكسلاوي على وجه الخصوص ، الذي صار مطالباً بأن يكون ممولاً للخدمات ، وداعماً للمؤسسات ، ومتحملاً لأعباء لا تنتهي.
آخر هذه الأعباء في كسلا ما أعلن عنه المجلس الأعلى للمجالس التربوية بشأن مبادرة دعم المعلمين عبر مساهمة أولياء الأمور بمبلغ عشرون جنيه أو عشرون الف حسب المتعارف عن كل تلميذ ، بما يتيح توفير دعم شهري للمعلمين و مائة جنيه أو مائة الف لتحسين البيئة المدرسية ، رغم أن القائمين على المبادرة أكدوا أنها تمثل “سنداً مجتمعياً مؤقتاً” وليست بديلاً عن دور الدولة ، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه إلى متى يظل المؤقت دائماً ، والاستثناء قاعدة ،
لا أحد يختلف حول أهمية المعلم أو ضرورة تحسين أوضاعه ، فالمعلم السوداني ظل من أكثر الفئات تضرراً من الأوضاع الاقتصادية والحرب وتداعياتها ، وتحمل الكثير من المعاناة بصبر يحسب له ، ومعلمو كسلا على وجه الخصوص لهم متأخرات مالية لم تُصرف بسببها اعلنوا اضرابهم المفتوح ، وقد جاء عيد الأضحى على كثير منهم وهم يبحثون عن ثمن الأضحية أو توفير أساسيات أسرهم ، وهذه حقيقة لا ينبغي القفز فوقها أو الالتفاف عليها .
معالجة الأزمة لا تكون بإضافة عبء جديد على كاهل المواطن الذي أنهكته الضرائب والرسوم وارتفاع الأسعار ، فالمواطن اليوم يدفع مقابل الكهرباء والمياه والعلاج والتعليم والنقل ، ويكافح منذ ساعات الصباح الأولى ليعود في المساء بما يسد رمق أسرته ، وأصبح مبلغ العشرين ألف جنيه والمائة الذي يُنظر إليه من المكاتب المكيفة باعتباره رقماً بسيطاً ، يمثل بالنسبة لكثير من الأسر حصيلة يوم كامل من الشقاء والكد والعرق والتعب ، يعود به رب الأسرة حاملاً رطل سكر ورطل لبن وكيس خبز ، إن الأزمة الحقيقية ليست في غياب المبادرات المجتمعية ، فالمجتمع السوداني ظل عبر تاريخه سنداً لمؤسساته التعليمية والصحية والخدمية ، لكن الخطر يكمن في أن تتحول هذه المبادرات إلى بديل دائم للدولة ، وأن يصبح المواطن هو الممول الأول والأخير لكل شيء ، المطلوب من والي كسلا وحكومته أن يتعاملوا مع قضية المعلمين من جذورها ، لا عبر المسكنات المؤقتة ، فصرف المتأخرات المالية ، وتحسين الأجور ، ووضع رؤية مستدامة لمعالجة أوضاع المعلمين ، هي مسؤوليات أصيلة لا يجوز ترحيلها إلى جيوب المواطنين.

فالتعليم قضية دولة قبل أن يكون قضية مجتمع ، والمعلم مسؤولية حكومة قبل أن يكون مسؤولية ولي أمر ، أما إذا استمر تحميل المواطن أعباءً جديدة كل يوم ، فقد لا نستغرب غداً إذا صدرت قرارات تطالبه حتى برسوم القبر الذي سيدفن فيه … لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات