الإثنين, يونيو 22, 2026
الرئيسيةمقالاتالإقتصاد السوداني .. معركة لا تقل أهمية عن العسكرية كتبت/...

الإقتصاد السوداني .. معركة لا تقل أهمية عن العسكرية كتبت/ إيثار عبدالحميد

يمر السودان بواحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، وهي أزمة تجاوزت حدود نقص السيولة وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة الوطنية، لتصبح أزمة هيكلية عميقة ترتبط بمستقبل الدولة نفسها وقدرتها على استعادة دورة الإنتاج والاستقرار الاقتصادي

ورغم الجهود المبذولة في مكافحة التهريب والحد من المضاربات والسيطرة على بعض الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، فإن قراءة الواقع الاقتصادي تشير إلى أن المشكلة أكبر من أن تُحل عبر الإجراءات الرقابية أو الأمنية وحدها مهما بلغت كفاءتها وفاعليتها

فالاقتصاد السوداني يواجه اختلالات جوهرية تتمثل في تراجع الإنتاج وانخفاض الصادرات وتعطل قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي بسبب الحرب، إضافة إلى اتساع الفجوة بين الواردات والصادرات بصورة أوجدت عجزاً كبيراً في الميزان التجاري، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قيمة العملة الوطنية ومستويات التضخم والقدرة الشرائية للمواطنين

وفي المقابل، لا يمكن إغفال مؤشرات الصمود التي أظهرتها العديد من المؤسسات الوطنية خلال فترة الحرب، حيث واصلت أداء أدوارها في ظروف استثنائية بالغة التعقيد، وسعت للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي والخدمي، وهو ما يؤكد أن إرادة التعافي ما زالت قائمة رغم حجم التحديات

غير أن هذا الصمود، على أهميته، يحتاج إلى رؤية حكومية أكثر شمولاً ووضوحاً، لأن إدارة الأزمة الاقتصادية تتطلب أكثر من المعالجات اليومية والإجراءات الإسعافية، بل تحتاج إلى سياسات اقتصادية متكاملة وخطة وطنية تستهدف استعادة الإنتاج وتحفيز الاستثمار وإعادة بناء الثقة في الاقتصاد الوطني

وفي ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن التعافي الاقتصادي الحقيقي مرتبطاً بمعالجة الأسباب الأساسية للأزمة لا مظاهرها فقط، إذ لا يمكن لأي اقتصاد أن يستعيد عافيته بينما تستمر الحرب في استنزاف الموارد وتعطيل الاستثمار وإضعاف الثقة في المستقبل

كما أن السودان في حاجة إلى حزمة دعم اقتصادية واسعة تشمل المنح والقروض الميسرة والاستثمارات الخارجية المباشرة القادرة على تحريك عجلة الإنتاج وإعادة بناء البنية التحتية وتوفير فرص العمل وتنشيط الأسواق

غير أن المجتمع الدولي والمؤسسات التمويلية والمستثمرين ينظرون دائماً إلى عنصر الاستقرار باعتباره المدخل الرئيسي لأي شراكة اقتصادية طويلة الأجل، وهو ما يجعل إنهاء الحرب وتهيئة بيئة آمنة ومستقرة شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة وجذب رؤوس الأموال

كما أن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من المكاشفة والشفافية عبر المنابر الإعلامية الرسمية للدولة، فالمواطن أصبح شريكاً أساسياً في تحمل تبعات الأزمة، ومن حقه أن يطلع على الحقائق وأن يفهم طبيعة التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني والإجراءات المتخذة لمعالجتها

وفي هذا السياق، تبرز التصريحات الرسمية المتكررة التي تشير إلى وجود جهات وأيدٍ خفية تعمل على تعميق الأزمات الاقتصادية وتعطيل مسارات التعافي والاستقرار، وهي إشارات تستوجب التوقف عندها بجدية، لأن أي ممارسات تستهدف إضعاف الاقتصاد الوطني لا تنعكس آثارها على مؤسسات الدولة وحدها، وإنما تمتد لتطال حياة المواطنين ومستقبل البلاد بأكملها

وبغض النظر عن هوية هذه الجهات، فإن تأثيرها على الاقتصاد الوطني لا يمكن التقليل من شأنه، إذ ساهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعقيد المشهد الاقتصادي وتعميق معاناة المواطنين وإضعاف فرص التعافي في مرحلة هي أحوج ما تكون إلى الاستقرار والثقة والتعاون الوطني

ومن زاوية أخرى، يمثل السودانيون في الخارج أحد أهم الموارد الاقتصادية التي يمكن البناء عليها خلال هذه المرحلة، فقد أثبتت التحويلات المالية القادمة من المغتربين قدرتها على دعم الأسر وتخفيف الأعباء المعيشية وتوفير النقد الأجنبي في أوقات الأزمات

إلا أن المرحلة الحالية تطرح فرصة مهمة لإعادة توجيه هذه التحويلات نحو القنوات المصرفية الوطنية بصورة أوسع وأكثر تنظيماً، بما يسهم في تعزيز القطاع المصرفي وزيادة حجم التدفقات الرسمية من العملات الأجنبية ودعم الاستقرار النقدي والمالي

فكل دولار يدخل عبر النظام المصرفي الرسمي يمثل إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، ويساعد في تقليل الاعتماد على الأسواق الموازية، ويعزز قدرة المؤسسات المالية على القيام بدورها في تمويل التنمية والإنتاج

ويبقى المواطن السوداني في الداخل هو الأكثر تأثراً بنتائج الأزمة، حيث يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخول وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية، بينما يتحمل المواطن في الخارج أعباء إضافية تتمثل في دعم أسرته ومجتمعه في ظل ظروف اقتصادية معقدة

فالانهيار الاقتصادي لا يقل خطورة عن التهديدات الأمنية والعسكرية، بل يمكن اعتباره شكلاً آخر من أشكال الهزيمة الوطنية، لأن الحفاظ على الاقتصاد وصمود مؤسسات الدولة وقدرتها على توفير الخدمات للمواطنين يمثل جزءاً أصيلاً من معركة الصمود الوطني

وإذا كان الانتصار العسكري يعني حماية الأرض والسيادة، فإن الانتصار الاقتصادي يعني حماية حياة المواطنين ومستقبلهم، لذلك فإن كسب معركة الاقتصاد أصبح اليوم ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، لأن الدول لا تُبنى بالأمن وحده، وإنما بالأمن والتنمية والاستقرار الاقتصادي معاً

ومع ذلك، فإن السودان ما زال يمتلك مقومات كبيرة للنهوض، من موارد طبيعية ضخمة وأراضٍ زراعية واسعة وثروات معدنية وموقع جغرافي استراتيجي وطاقات بشرية مؤهلة

لكن تحويل هذه المقومات إلى واقع اقتصادي مزدهر يتطلب أولاً وقف الحرب، واستعادة الاستقرار، وإطلاق مشروع وطني للإعمار والتنمية يعيد الثقة للمواطن والمستثمر والشركاء الدوليين

فالسؤال اليوم لم يعد كيف نعالج آثار الأزمة الاقتصادية فحسب، بل كيف نمنع تحولها إلى انهيار كامل، وكيف نحول هذه التحديات القاسية إلى نقطة انطلاق نحو بناء اقتصاد أكثر قوة واستدامة وعدالة للأجيال القادمة

لأن معركة الاقتصاد ليست معركة أرقام وموازنات فقط، وإنما معركة بقاء واستقرار ومستقبل، وأي انتصار لا يكتمل دون اقتصاد قادر على حماية المواطن وصون كرامته وتحويل تضحيات الحاضر إلى فرص حقيقية لبناء سودان أكثر قوة وقدرة على النهوض .

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات