بقلم: المهندس المستشار مالك علي دنقلا
رئيس اتحاد المقاولين السوداني
المدير التنفيذي لاتحاد المقاولين بالدول الإسلامية
ليست كل رحلات العمل متشابهة، فبعضها ينتهي بانتهاء الاجتماعات، بينما تتحول بعضها الآخر إلى تجربة ثره تترك في النفس أثراً عميقاً، وتفتح أبواباً جديدة للتفكير والرؤية الاستشراف.. كانت رحلتي الأخيرة إلى العاصمة الأذربيجانية باكو واحدة من تلك الرحلات التي يصعب اختصارها في جدول اجتماعات أو محاضر جلسات.
جاءت الزيارة تلبية لدعوة كريمة من البنك الإسلامي للتنمية للمشاركة في اجتماعات مجلس المحافظين السنوي، وهو الحدث الذي يجمع سنوياً وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصناع القرار وقادة المؤسسات التنموية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي؛ وعلى هامش هذه الاجتماعات شاركنا في فعاليات اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، والتي شكلت هذا العام مساحة واسعة للحوار وتبادل الخبرات واستشراف مستقبل قطاع التشييد والبنية التحتية.
ما يلفت النظر في تجربة البنك الإسلامي للتنمية هو حرصه على إقامة اجتماعاته السنوية في دولة مختلفة كل عام، قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى إجراءً تنظيمياً، لكنها في حقيقتها مبادرة حضارية وتنموية عميقة الأثر فهي تتيح للمشاركين التعرف على ثقافات جديدة وتجارب مختلفة، وتمنح الدول المستضيفة فرصة للتعريف بإنجازاتها إمكاناتها، والأهم من ذلك أنها تقرب بين شعوب العالم الإسلامي وتكشف حجم التمسك بالهوية الإسلامية لدى شعوب آسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق، وتبرز احترامهم الكبير لتاريخهم وتراثهم الإسلامي رغم التحولات السياسية التي مرت بها تلك المنطقة خلال العقود الماضية.
منتدى فرص العمل، فكرة تستحق الاستمرار
شهدت فعاليات اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية هذا العام انعقاد اجتماع مجلس الإدارة والجمعية العمومية للاتحاد، وهي فعاليات دورية مهمة، غير أن الحدث الأبرز كان إطلاق منتدى فرص العمل للمرة الأولى كمشروع مصاحب للاجتماعات، وقد أثبت المنتدى منذ دورته الأولى أنه فكرة ناجحة تستحق أن تصبح تقليداً سنوياً ثابتاً، إذ وفر منصة مباشرة للحوار بين المقاولين والاستشاريين والمؤسسات التمويلية الدولية، وربط بين أصحاب المشاريع والجهات المنفذة والجهات الممولة في مكان واحد، حيث شهد المنتدى حضور عدد من المؤسسات المالية والتنموية الكبرى، من بينها البنك الدولي والبنك الآسيوي للتنمية والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية والبنك الأفريقي للتنمية، إلى جانب مشاركة شخصيات مؤثرة في صناعة التشييد العالمية، أبرزهم السيدة هبة طهبوب مدير إدارة المناقصات بالبنك الدولي، والسيد نبيل جوهر مستشار البنك الدولي، والسيد فيليب دوساي نائب رئيس الاتحاد الدولي لشركات المقاولات (CICA) وكانت النقاشات التي دارت خلال المنتدى غنية بالمعلومات والفرص، خصوصاً فيما يتعلق بالمشروعات المستقبلية وآليات التمويل ومتطلبات التأهيل والمنافسة في الأسواق الدولية.
كما شملت المناشط لقاءً مهماً مع اتحاد الاستشاريين بالدول الأسلاميه، إلى جانب اجتماعات مع الإدارة العليا للبنك الإسلامي للتنمية، وهي لقاءات عززت قناعتنا بأن مستقبل صناعة التشييد أصبح يعتمد بصورة متزايدة على التكامل بين المقاول والاستشاري والمؤسسة الممولة ضمن منظومة واحدة.
باكو… مدينة تعرف كيف تصنع الجمال
منذ اللحظات الأولى لوصولك إلى باكو تدرك أنك أمام مدينة استثنائية. فهي ليست مدينة حديثة فحسب، وليست مدينة تاريخية فقط، بل هي مزيج متوازن بين الاثنين حيث تمتد المدينة على مساحة تجمع بين السهول والتلال والمرتفعات، في لوحة جغرافية تمنحها طابعاً فريداً. وتتناغم العمارة الحديثة مع المباني التراثية بصورة تجعل الماضي والحاضر يتجاوران دون صراع
وبحكم خبرتي الطويلة في قطاع المقاولات، فقد كنت أنظر إلى المدينة بعين المهندس والمقاول قبل عين السائح. وما رأيته يستحق الإشادة بحق. تخطيط عمراني متقن، وشبكات طرق حديثة، وعناية فائقة بالتفاصيل، ومستوى نظافة يبعث على الإعجاب، فضلاً عن وجود هوية معمارية واضحة تجعل للمدينة شخصية خاصة لا تشبه غيرها، إنها مدينة نجحت في أن تترك بصمتها الحضارية دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية.
شهيدلار… حيث ترى باكو من الأعلى
ومن أكثر المواقع التي تركت أثراً في نفسي منطقة “شهيدلار”، ذلك الموقع الذي يحتل مكانة رمزية كبيرة في وجدان الشعب الأذربيجاني إذ ان الوصول إلى القمة ليس سهلاً، فالأمر يتطلب صعود أكثر من مائة وثمانين درجة من السلالم، لكن ما إن تبلغ الأعلى حتى تشعر أن كل خطوة كانت تستحق العناء، هناك تقف باكو كلها تحت ناظريك. المدينة بأبراجها وشوارعها وحدائقها ومبانيها الحديثة تبدو كأنها لوحة مرسومة بعناية ومن خلفها يمتد بحر قزوين في مشهد بانورامي ساحر يجعل الزائر يقف طويلاً متأملاً هذا الجمال الفريد.
بحر قزوين… سر القوة الاقتصادية
لا يمكن الحديث عن أذربيجان دون الحديث عن بحر قزوين، ذلك البحر الذي كان ولا يزال أحد أهم مصادر الثروة في المنطقة، ففي أعماقه تختزن احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وقد لعب دوراً محورياً في بناء الاقتصاد الأذربيجاني الحديث، ومع المتغيرات السياسية والإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، استطاعت أذربيجان أن توسع أسواقها وأن تعزز حضورها في أسواق الطاقة العالمية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية الهائلة.
ولعل ما يلفت النظر أن الدولة نجحت في توظيف هذه الموارد بصورة انعكست بوضوح على البنية التحتية والخدمات والتنمية الحضرية التي يشاهدها الزائر في مختلف أنحاء البلاد.
السودان حاضر في باكو
من أجمل ما شهدناه خلال الزيارة ذلك الحضور السوداني المتميز في مختلف الفعاليات، فقد التقينا بسعادة الأستاذة آمنة ميرغني محافظ بنك السودان المركزي، والتي شهدت توقيع اتفاقية تعاون مع البنك المركزي الأذربيجاني، وهي خطوة مهمة نأمل أن تسهم في فتح آفاق جديدة أمام التعاون المصرفي والمالي بين البلدين، وأن تمهد لمزيد من الانفتاح والتكامل في المستقبل، كما سعدنا بلقاء الأستاذ محمد نور الدائم وزير الدولة بوزارة المالية، ذلك الشاب الذي يشع حيوية وطموحاً وثقة بالمستقبل، وقد دار بيننا نقاش ثري حول فرص الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وآليات التمويل الممكنة، والدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في دعم جهود التنمية وإعادة الإعمار.
وخلال تلك النقاشات ظل سؤال يفرض نفسه بقوة: لماذا لا يشارك القطاع الخاص السوداني بكثافة في مثل هذه المنتديات؟ فهذه الملتقيات لم تعد مجرد مناسبات بروتوكولية، بل أصبحت منصات عملية للتعرف على الفرص الاستثمارية وبرامج التمويل الدولية ومشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي تشكل اليوم أحد أهم نماذج التنمية في العالم.
وفي هذا السياق برزت مبادرة اتحاد الاستشاريين بالدول الإسلامية لعقد منتدى مشترك مع اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، بهدف إعداد المقاولين والاستشاريين للتعامل مع هذا النموذج المتطور من المشروعات، والذي يتطلب مستويات أعلى من التنسيق والشراكة والتكامل.
تحية مستحقة
لا يمكن أن أختتم الحديث عن هذه الرحلة دون أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى أخي الكريم معالي السفير أنس الطيب الجيلاني سفير السودان لدى جمهورية أذربيجان وحرمه المصون، اذ وجدنا منهم كرم الضيافة السودانية الأصيلة، وحسن الاستقبال، والمتابعة الدقيقة لكل التفاصيل، والحرص الصادق على راحة أبناء الوطن، كانوا خير سفراء للسودان، وتركوا في نفوسنا أثراً طيباً سيظل محل تقدير وامتنان.
ولا يفوتني أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير للمهندس زكريا العبد القادر، رئيس اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، لما بذله من جهود كبيرة في الإعداد لهذه الفعاليات وحرصه المتواصل على نجاحها وتحقيق أهدافها، حتى خرجت بالصورة المشرفة التي تليق بالاتحاد ومكانته الإقليمية والدولية ولم تقتصر مساهمات سعادته على الجانب التنظيمي فحسب، بل تجلت كذلك في كرم عربي أصيل يعكس معدن الرجل وطيب خصاله، حيث تفضل باستضافتنا في مطعم الشرق بالعاصمة باكو في مناسبين كانت الأولى على شرف أعضاء الجمعية العمومية لاتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، و الثانية فكانت على شرف المتحدثين والمشاركين في منتدى فرص الأعمال، ولم تكن هاتان الأمسيتان مجرد مناسبتين اجتماعيتين، بل شكلتا فرصة مميزة للتعرف بصورة أقرب على الإرث الثقافي الأذربيجاني وعادات أهل البلاد في الضيافة وفنون المائدة. فقد أتيحت لنا فرصة تذوق عدد من الأطباق المحلية والتعرف على تنوع المطبخ الأذربيجاني الذي يجمع بين التأثيرات الآسيوية والتركية والقوقازية، بما يعكس تاريخ هذا البلد العريق وموقعه الجغرافي الذي جعله ملتقىً للحضارات والثقافات.
كما أتاحت تلك اللقاءات الودية فرصة ثمينة للتعارف المباشر وتبادل الرؤى والخبرات مع عدد من الشخصيات والقامات المهنية الرفيعة التي شاركت في المنتدى، ومن بينهم السيد عامر مير مدير إدارة المناقصات بالبنك الإسلامي للتنمية، وإلهام عليكانوف أخصائي المشتريات بالبنك، إلى جانب ممثلي البنك الأفريقي للتنمية، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وعدد من الخبراء والمتخصصين في مجالات التمويل والتشييد والتنمية.
كما أتوجه بشكر خاص لممثلي اتحادات المقاولين بالدول الإسلامية والأفريقية الذين أحاطوني بفيض من المودة والتقدير، وعلى رأسهم السيدة سامية المخلوفي، والسيد عبد المجيد كاشير، والسيدة سانا عبد الكريم، إضافة إلى الإخوة ممثلي الكاميرون وتوغو والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، الذين غمروني بحسن الاستقبال وصدق المشاعر، وكان من دواعي سروري أن أجد هذا القدر الكبير من الود والشوق للقاء بعد سنوات من العمل المشترك والتواصل المهني، وهو ما يؤكد أن العلاقات التي تُبنى على الاحترام والتعاون الصادق تبقى راسخة مهما تباعدت المسافات وتعاقبت السنوات.
لقد كانت تلك الأمسيات أكثر من مجرد موائد عشاء؛ كانت مساحة إنسانية ومهنية وثقافية راقية، عززت أواصر الأخوة والصداقة، وعرّفتنا عن قرب بجانب من ثقافة أذربيجان وتراثها، ورسخت قناعة راسخة بأن نجاح العمل المؤسسي لا يقوم فقط على الاجتماعات والقرارات، بل كذلك على العلاقات الإنسانية الصادقة التي تجمع بين الناس وتوحدهم حول أهداف مشتركة.
ما بعد الرحلة
عدت من باكو وأنا أكثر اقتناعاً بأن مرحلة إعادة إعمار السودان يجب أن تبدأ من بناء الشراكات والعلاقات والمعرفة قبل أن تبدأ بالمباني والجسور والطرق، لقد حملت لنا هذه الرحلة دروساً مهمة حول التمويل والتنمية والتخطيط والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأكدت أن العالم مليء بالفرص لمن يحسن البحث عنها والاستعداد لها.
إن السودان وهو يتهيأ لمرحلة ما بعد الحرب يحتاج إلى الاستفادة من هذه التجارب، وإلى الانفتاح على المؤسسات الدولية، وإلى إشراك القطاع الخاص بصورة أكبر في جهود البناء والإعمار.
ولعل أجمل ما خرجت به من باكو ليس ما رأيته من عمران وجمال فحسب، وإنما ما حملته معي من أفكار وآمال وإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا أحسنا الاستعداد له.
وهكذا غادرت باكو، لكن باكو لم تغادر الذاكرة.
