بقلم: د. دقاش حسب الله دقاش
منذ الاستقلال والاقتصاد السوداني أسير مفارقة قاتلة، فهو وطن تفيض موارده ولا يفيض إنتاجه، إذ يمتلك أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة وثروة حيوانية تتجاوز 100 مليون رأس ومعادن تمتد من الذهب إلى المنجنيز، ومع ذلك يظل مستورداً للقمح والزيت والسكر والدواء والوقود، لذا فإن السر لا يكمن في فقر الموارد بل في فقر التحويل، لأن كل دولة تصدر الخام بسعر المنشأ وتستورد المصنع بسعر السوق تخسر ما بين 70% إلى 80% من قيمتها فوراً، وهذه الخسارة المركبة هي أصل العجز الهيكلي الذي تعاقبت عليه الحكومات دون أن تجرؤ على كسره.
بل الأخطر في ذلك أن حرب 15 أبريل باندلاعها قد كشفت هشاشة البنيان وتضاعف الكلفة، فهي لم تصنع الأزمة من العدم بقدر ما فضحت أن الاقتصاد كان قائماً على أعواد هشة، إذ بانهيار أكثر من 60% من الطاقة الصناعية في الخرطوم والجزيرة وتوقف الدورة الزراعية في مشروع الجزيرة ونهب المخازن الاستراتيجية تبخرت الإيرادات الضريبية والجمركية ودخل الاقتصاد في صدمة مزدوجة ضربت العرض والإنتاج من جهة والموازنة والمالية من جهة أخرى، ومع ذلك ظلت المعالجة حبيسة ردود الفعل ومسكنات العجز بلا خطة إعادة هيكلة واضحة ولا رؤية لتحويل الأزمة إلى فرصة بناء.
ولذا يفرض التحليل الاقتصادي حقيقة بدهية لا تقبل المساومة، وهي أنه لا إصلاح اقتصادي حقيقي مع استمرار الحرب ولا قدرة للدولار على التوليد في مناخ الدمار والاستقطاب، فالرصاصة الواحدة تهدم ما تبنيه الملايين والمستثمر لا يدخل سوقاً مفتوحة على المجهول والفدان لا ينتج والمصنع لا يعمل تحت صوت المدافع، وبناء عليه ستظل أي حزمة دولية أو خطة وطنية مسكن عجز ما لم تسبقها مصالحة وطنية شاملة تضع السلاح أرضاً وتعيد الثقة بين السودانيين، إذ إن السلام هو البنية التحتية الأولى للاقتصاد والمصالحة هي الضمانة التي تحول المنحة من إغاثة إلى استثمار ومن مشروع طارئ إلى صناعة مستدامة.
في المقابل، وإزاء هذا الواقع، تأتي حزمة البنك الدولي الأخيرة بقيمة 176 مليون دولار مقسمة بين شبكة أمان إنتاجية 100 مليون وطاقة نظيفة 76 مليون لتفرض سؤالاً يتجاوز الرقم إلى المعنى، فالسؤال ليس عن حجم المنحة بل عن كفاءة الاستثمار لكل دولار منها، فإن ذهبت لسد عجز الموازنة أو تمويل استيراد استهلاكي فإن العائد المضاعف سيكون أقل من الواحد ومعناه استهلاك للمنحة ثم العودة إلى نقطة الصفر، بينما إن وجهت لبناء سلاسل قيمة زراعية وصناعية فإن معامل التحويل يقفز إلى 3 أو 5 لأن كل دولار يستثمر في الطاقة الشمسية أو وحدة التبريد أو التعبئة يعود على الاقتصاد بأكثر من 3 دولار عبر زيادة الصادر وخفض الاستيراد وخلق وظيفة حقيقية.
كذلك يحمل تخصيص 100 مليون لشبكة الأمان فرضية خطيرة مفادها أن الدعم النقدي المباشر دون ربطه بعملية إنتاجية يرفع الطلب الكلي دون العرض وبالتالي يغذي التضخم بدلاً من كبحه، ولذلك يفرض المنطق تحويله إلى تمويل إنتاجي دقيق بحيث تصبح المنحة مضخات شمسية ترفع إنتاجية الفدان وماكينات تجفيف ترفع قيمة طن الطماطم من 200 إلى 2000 جنيه ووحدات تبريد تحفظ اللحم قبل التصدير، وهنا يتحول الدعم من نفقة مستهلكة إلى أصل منتج يولد دخلاً وضريبة ووظيفة ومن كلفة على الخزينة إلى استثمار في البشر والأرض.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن الشق الثاني البالغ 76 مليون والمخصص للطاقة النظيفة يمثل مفتاح معادلة التنافسية المفقودة، فالمنتج السوداني يدفع اليوم علاوة مخاطر طاقة باهظة لأن الكهرباء المتذبذبة والديزل المستورد يرفعان كلفة كل طن سمسم وكل كيلو لحم فتخرجه من المنافسة قبل أن يصل الميناء، وبالتالي إذا خفضنا كلفة تشغيل الفدان 60% عبر الطاقة الشمسية فإن تكلفة طن الصادر تنخفض تلقائياً ويصبح السمسم السوداني أرخص من الهندي في دبي واللحم السوداني منافساً للأسترالي في الرياض، ومن ثم فإن الطاقة النظيفة ليست قضية بيئة بقدر ما هي أداة سياسة تجارية تخفض التكلفة الحدودية وترفع هامش ربح المصدر وتجذب الاستثمار.
غير أن جوهر المسألة أن نجاح هذه الحزمة لا يتوقف عند النوايا بل يخضع لاختبار أربعة متغيرات حرجة، أولها وأهمها السلام فلا حوكمة ولا استثمار ولا صادر دون إيقاف الحرب ومصالحة شاملة تعيد الطمأنينة لمزارع الجزيرة وراعي كردفان وتاجر القضارف، وثانيها الحوكمة فأي منحة تمر عبر بيروقراطية مركزية بلا رقابة مجتمعية ومشاركة حقيقية من المنتجين سيبخر التسرب الإداري أثرها قبل أن تصل الحقل، وثالثها القطاع الخاص لأن الدولة لا تبني اقتصاداً والمنظمات لا تشغل مصانع لذلك يجب تحويل المنحة إلى ضمانات ائتمانية عبر مؤسسة التمويل الدولية تجذب المغترب والمستثمر المحلي لبناء مصانع التعبئة والتبريد والتصنيع، ورابعها الصادر فالمؤشر الوحيد للنجاح هو سؤال واحد هل خفض المشروع تكلفة طن الصادر وزاد القيمة المضافة فإن كانت الإجابة لا فإننا نكرر الخطأ القديم وهو تصدير الخام واستيراد المصنع.
أما على صعيد السياسات فالمعركة لها جبهتان: مالية ونقدية. مالياً تفرض إعادة هيكلة جذرية للإنفاق العام بخفض الجاري لصالح الاستثمار الرأسمالي المنتج لأن كل جنيه عجز يقابله 1.5 جنيه استثمار يخلق ناتجاً مستقبلياً، كما يحتاج النظام الضريبي إلى تحول من ضريبة استهلاك إلى ضريبة تحفيز تصنيع عبر جعل ضريبة صادر الخام أعلى من ضريبة المصنع وهي معادلة تجبر السوق على الإنتاج دون تدخل إداري، في حين يجب أن تبدأ موازنة ما بعد الحرب من الحقل لا من الأسفلت فلا إعمار لمدينة دون إعمار حواشات الجزيرة ومشاريع كردفان ودارفور. نقدياً تتطلب استعادة ثقة الجنيه استهداف تضخم يربط سعر الفائدة بالفرق بين التضخم الفعلي والمستهدف مع توحيد سعر صرف مرن مدار يبنى احتياطيه من حصائل الصادر المصنع لا من القروض، فضلاً عن تحويل الدعم لمحافظ رقمية مربوطة بشراء مدخلات إنتاج فقط لمنع التسرب وتوجيه الدعم لزيادة العرض بدل تأجيج الطلب.
وخلاصة القول هنالك خيارين لا ثالث لهما، إما التعامل مع منحة البنك الدولي كمسكن عجز مؤقت يسد فجوة عام ثم يعود للانهيار، وإما جعلها شهادة ميلاد لاقتصاد إنتاجي يقوم على التصنيع وتمكين الشباب والنساء كمتغير إنتاج لا استهلاك، ولكن هذا الخيار لن يتحقق إلا بخطوة أشجع وهي إيقاف الحرب وإطلاق مصالحة وطنية شاملة.
السلام أولاً.. ثم المصنع. فلا منحة تنفع وطناً بنادقه مشرعة، ولا دولار يبني اقتصاداً بلا أمان.
