● العنف السياسي وتفكك الدولة… لماذا يصبح السلاح لغة السياسة؟
في الحلقة السابقة تناولنا أزمة العقد الاجتماعي في السودان، وكيف فشل التأسيس الأول في إنتاج توافق مستقر حول معنى المواطنة، وحدود السلطة، وعلاقة الدولة بالمجتمع، مما جعل الثقة المؤسسية هشة وقابلة للاهتزاز مع كل أزمة سياسية.
في هذه الحلقة ننتقل إلى أخطر تجليات هذا الفشل، وهو العنف السياسي وتفكك احتكار الدولة للقوة، وكيف يتحول السلاح من أداة استثنائية إلى لغة سياسية موازية تُعيد تشكيل الواقع العام.
إن الدولة الحديثة تقوم في أحد أهم تعريفاتها على احتكار مشروع لاستخدام القوة داخل حدودها. وهذا الاحتكار ليس مجرد تفوق عسكري، بل هو أساس وجود الدولة نفسها، لأنه يضمن أن الصراع يُدار عبر القانون لا عبر العنف، وعبر المؤسسات لا عبر السلاح.
لكن عندما تضعف الدولة أو تفقد شرعيتها أو تتآكل ثقة الناس فيها، يبدأ هذا الاحتكار في التشقق، وتظهر قوى متعددة تمتلك القدرة على استخدام العنف، سواء كانت مجموعات مسلحة أو تشكيلات محلية أو حتى شبكات حماية غير رسمية.
وهنا لا يعود العنف حدثاً استثنائياً مرتبطاً بالحروب فقط، بل يصبح جزءاً من الحياة السياسية والاجتماعية، يُستخدم في التفاوض، وفي فرض النفوذ، وفي حماية المصالح، بل وأحياناً في إدارة الخلافات اليومية.
وفي الحالة السودانية، لم يظهر هذا التحول فجأة، بل كان نتيجة تراكم طويل من الضعف المؤسسي، وتعدد مراكز القوة، وفشل الدولة في بسط سلطتها بشكل عادل ومتوازن على كامل الجغرافيا الوطنية.
ومع توسع هذا الضعف، لم تعد الدولة هي المرجع الوحيد للعدالة أو الأمن، بل ظهرت بدائل متعددة، بعضها اجتماعي وبعضها سياسي وبعضها مسلح، مما أدى إلى إعادة توزيع غير رسمي للقوة داخل المجتمع.
هذا الوضع يؤدي إلى نتيجة خطيرة: تحول السياسة من مجال للتنافس السلمي إلى مجال مفتوح لاستخدام القوة كأداة تأثير. وعندما يحدث ذلك، يفقد القانون قدرته على تنظيم الصراع، ويصبح مجرد أحد الأدوات، لا الإطار الحاكم له.
كما أن انتشار العنف لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى العنف الرمزي والخطابي، حيث يصبح التحريض والتخوين والإقصاء جزءاً من اللغة السياسية اليومية، مما يهيئ البيئة النفسية والاجتماعية لتقبل العنف المادي.
إن أخطر ما في تفكك احتكار الدولة للعنف أنه لا يؤدي فقط إلى صراعات بين الدولة والمعارضة، بل إلى تفكك داخلي داخل المجتمع نفسه، حيث تصبح كل مجموعة قادرة على الدفاع عن نفسها خارج إطار الدولة، مما يعمق الانقسام ويضعف فكرة المواطنة الجامعة.
وفي هذه الحالة، تفقد الدولة وظيفتها الأساسية كضامن للأمن، وتتحول إلى طرف من أطراف الصراع، أو إلى كيان محدود التأثير داخل فضاء متعدد القوى.
إن استعادة الدولة لاحتكار القوة لا يمكن أن تتم فقط عبر الحلول الأمنية، بل تتطلب أولاً إعادة بناء الشرعية والثقة، لأن احتكار القوة في جوهره ليس مجرد قدرة على السيطرة، بل هو قبول اجتماعي بأن الدولة هي المرجعية الوحيدة لاستخدام القوة.
ومن دون هذا القبول، يصبح أي احتكار للقوة هشاً وقابلاً للتحدي المستمر.
لهذا فإن معالجة العنف السياسي لا تبدأ من السلاح نفسه، بل من البيئة التي تنتجه: ضعف الدولة، غياب العدالة، تآكل العقد الاجتماعي، وانهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات.
إن أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة في السودان لا يمكن أن ينجح دون إعادة تعريف العلاقة بين القوة والسياسة، بحيث تعود الدولة إلى موقعها كحَكَم لا كطرف، وكضامن لا كفاعل متنافس
في الحلقة القادمة…
نحو دولة جديدة… ما الذي يعنيه “إعادة التأسيس” فعلياً؟
سنناقش كيف يمكن تحويل كل هذه التشخيصات إلى مشروع عملي، وما هي الشروط الفكرية والسياسية لبناء دولة جديدة، ولماذا لا يكفي تغيير السلطة دون تغيير بنية الدولة نفسها.
هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.
بقلم الأستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
