الخميس, يونيو 18, 2026
الرئيسيةتقاريرطائفة الحريديم اليهودية: الهوية والعقيدة والموقف من الدولة. ...

طائفة الحريديم اليهودية: الهوية والعقيدة والموقف من الدولة. بقلم الباحث/ عميد شرطة م. (حقوقي) محمد علي عبد الله عبد الدائم

أولاً: ما هي طائفة الحريديم اليهودية؟

طائفة الحريديم (أو اليهودية الأرثوذكسية الفائقة التدين) هي واحدة من أكثر الجماعات الدينية المحافظة داخل المجتمع اليهودي وإسرائيل. كلمة “حريديم” مشتقة من الفعل العبري “حرد”، وتعني “الخائف” أو “المرتجف” من خشية الله وتطبيق أوامره.

تتميز هذه الطائفة بالالتزام الصارم والكامل بالشريعة اليهودية التقليدية (الهلاخاه)، ويرفضون مظاهر الحداثة والعلمانية التي تتعارض مع نصوصهم الدينية، ويعيشون عادةً في أحياء مغلقة وعزولة للحفاظ على نمط حياتهم التقليدي ويلبسون الملابس السوداء التقليدية والقبعات المخملية الكبيرة والخصلات الجانبية الطويلة .


ثانياً: لماذا يرفض الحريديم الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

تُعدّ قضية التجنيد الإلزامي للحريديم في الجيش الإسرائيلي من أعقد الأزمات السياسية والاجتماعية وأكثرها حساسية. وتستند معارضتهم الشديدة للانخراط في الخدمة العسكرية إلى عدة أسباب رئيسية:

1. قدسية دراسة التوراة (التفرغ الديني)

يؤمن الحريديم إيماناً قاطعاً بأن الحفاظ على دولة إسرائيل وحمايتها لا يتم عبر القوة العسكرية فحسب، بل من خلال دراسة التوراة والصلاة. ويرون أن الشبان الذين يدرسون في المدارس الدينية (اليشيفات) يمثلون “الدرع الروحي” الذي يحمي المجتمع، وأن سحبهم من هذه المدارس لتجنيدهم يهدد هذا الوجود الروحي.

2. الخوف من ذوبان الهوية وتأثير العلمانية

يُعتبر الجيش في إسرائيل مؤسسةً “صهيونية علمانية” تهدف إلى صهر الإسرائيليين من مختلف الخلفيات في هوية وطنية مشتركة. يخشى قادة الحريديم أن يؤدي اختلاط شبابهم بالثقافة العلمانية داخل المعسكرات والوحدات العسكرية — كالاختلاط بين الجنسين، وضعف الرقابة على الأطعمة الحلال “الكوشر” بمعاييرهم المتشددة — إلى إضعاف تدينهم وتركهم لنظام الحياة الأرثوذكسي.

3. الموقف العقائدي من الصهيونية والدولة

هناك تيارات داخل الحريديم — كحركتي “ساتمار” و”ناطوري كارتا” — لا تعترف بشرعية دولة إسرائيل من الأساس من الناحية الدينية، إذ يؤمنون عقائدياً بأن إقامة دولة لليهود يجب أن تتم عبر “المسيح المنتظر”، وبالتالي فإن أي تعاون مع مؤسسات الدولة العلمانية بما فيها الجيش يُعدّ مخالفةً لأمر إلهي. ورغم أن تيارات أخرى أكثر براغماتية تشارك في الحكومة للحصول على مخصصات مالية، إلا أنها تتفق على رفض التجنيد.


ثالثاً: الجذور التاريخية والأزمة الراهنة

منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، منح رئيس الوزراء الأول ديفيد بن غوريون إعفاءً لمجموعة صغيرة من طلاب المدارس الدينية (كانوا نحو 400 طالب) لإعادة بناء الحياة الدينية بعد الهولوكوست.

ومع مرور العقود، تضخمت أعداد الحريديم بشكل هائل بسبب معدلات الإنجاب المرتفعة جداً لديهم، ليتحول هذا الإعفاء المحدود إلى استثناء يشمل عشرات الآلاف سنوياً، مما يثير غضب الإسرائيليين العلمانيين والوطنيين الذين يرون في ذلك غياباً للعدالة في تحمّل “عبء” الدفاع عن الدولة.

واليوم تضغط المحكمة العليا الإسرائيلية والأحزاب العلمانية بشكل مستمر لإلغاء هذه الإعفاءات وفرض التجنيد على شبان الحريديم، وهو ما يقابله الشارع الحريدي باحتجاجات عارمة، مهددين بترك البلاد أو دخول السجون على أن يلتحقوا بالجيش.


رابعاً: الفروق العقائدية والسياسية بين الحريديم والصهيونية الدينية

رغم أن كلاً من الحريديم (الأرثوذكس الفائقين) والصهيونية الدينية — المعروفين أيضاً بـ”المريدين القوميين” أو أصحاب “الكيباه المنسوجة” — ينتمون إلى اليهودية الأرثوذكسية الملتزمة بالشريعة، إلا أن بينهما فجوة عميقة جداً من الناحيتين العقائدية والسياسية. والخلاف الأساسي يدور حول موقف كلٍّ منهما من “دولة إسرائيل العلمانية” وكيفية التعامل مع العالم الحديث.

أ. الفروق العقائدية والفلسفية

الموقف من دولة إسرائيل

  • الحريديم: ينظرون إلى إسرائيل الحالية باعتبارها دولة “علمانية تشكّل خطراً على الدين”. أما عقائدياً، فيعتقدون أن إقامة دولة يهودية هو أمر إلهي مؤجل لا يتم إلا بظهور “المسيح المنتظر”، وبالتالي فإن الحركة الصهيونية العلمانية قد استبقت الإرادة الإلهية.
  • الصهيونية الدينية: يدمجون الدين بالقومية، ويعتقدون أن تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 هو “بداية الخلاص الإلهي” (بداية نمو الفداء). ويرون في الدولة وجيشها ومؤسساتها أدواتٍ مقدسةً لتحقيق مشيئة الله، حتى وإن كان من أسسها علمانيون.

الانفتاح على العالم الحديث والتعليم

  • الحريديم: يتبنون مبدأ “الانعزال وحظر التحديث”، فمدارسهم الدينية تركز حصرياً على التوراة والتلمود، ويرفضون تعليم المواد العامة كالرياضيات والعلوم والإنجليزية للشباب، كما يفرضون قيوداً صارمة على استخدام الإنترنت والتكنولوجيا.
  • الصهيونية الدينية: يرفعون شعار “التوراة والعمل”، وهم منفتحون على الحداثة، ويدرس أبناؤهم في مدارس تدمج الدين بالعلوم الحديثة، وينخرطون في الجامعات، ويتولون وظائف في الطب والهندسة والقضاء والإعلام.

ب. الفروق السياسية والعملية

الخدمة العسكرية

  • الحريديم: يرفضون التجنيد قطعياً، ويرون في الجيش بيئةً تفسد العقيدة وتُبعد الشباب عن دراسة التوراة التي تحمي الدولة روحياً.
  • الصهيونية الدينية: يعتبرون الخدمة العسكرية “واجباً دينياً ووطنياً” من الدرجة الأولى، ولديهم مدارس دينية عسكرية خاصة (اليشيفات التسؤوتية) تدمج بين القتال ودراسة الدين. واليوم يمثلون النسبة الأكبر من قادة الوحدات القتالية ونخبة الجيش الإسرائيلي.

قضية الأرض والاستيطان

  • الحريديم: أولويتهم حماية “شعب التوراة ونمط حياته” وليس الأرض. وتاريخياً، لم تمانع بعض قياداتهم التنازل عن الأرض مقابل السلام إذا كان ذلك يحقن الدماء، ومعظمهم يعيشون داخل المدن في تجمعات خاصة بهم في إسرائيل — كبني براك وأحياء القدس — وليس في عمق المستوطنات لأسباب أيديولوجية.
  • الصهيونية الدينية: يركزون بشكل هوسي على “أرض إسرائيل الكاملة”، ويعتبرون السيطرة على الضفة الغربية — التي يسمونها “يهودا والسامرة” — وبناء المستوطنات واجباً دينياً لا يمكن التنازل عنه مطلقاً. وهم المحرك الأساسي لحركة الاستيطان، ويمثلون الجناح السياسي الأكثر تطرفاً ويمينيةً في الحكومات الإسرائيلية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات