أسمرا – تقرير :المجد نيوز
في مبادرة إنسانية تعكس عمق الروابط الأخوية والتاريخية بين السودان وإريتريا، وتؤكد الدور المتنامي للدبلوماسية الشعبية في تعزيز العلاقات بين البلدين الشقيقين، نظمت منظمة البصر الخيرية العالمية عدداً من المخيمات الطبية المتخصصة في مجال طب وجراحة العيون بعدد من المناطق الإريترية، وذلك بالتنسيق مع سفارة جمهورية السودان لدى إريتريا بأسمرا .
وقد شكلت هذه المخيمات نموذجاً متميزاً للتعاون الإنساني والشعبي بين البلدين، من خلال تقديم خدمات طبية مجانية ومباشرة للمواطنين الإريتريين، والاستفادة من الخبرات والكفاءات الطبية السودانية في مجال طب وجراحة العيون، بما يعكس الدور الإيجابي الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات والمنظمات السودانية في دعم أواصر التواصل والتعاون بين الشعبين .
أكثر من ثمانية آلاف مستفيد
وشهدت المخيمات إقبالاً واسعاً من المواطنين الإريتريين، حيث قامت الفرق الطبية التابعة لمنظمة البصر الخيرية العالمية بالكشف والفحص على أكثر من ثمانية آلاف مريض يعانون من مشكلات وأمراض مختلفة في مجال العيون.
ولم يقتصر النشاط على الفحوصات والتشخيص، وإنما امتد إلى تقديم تدخلات علاجية وجراحية متخصصة، حيث أجرت الفرق الطبية 805 عمليات جراحية للعيون، فضلاً عن توزيع أكثر من خمسة آلاف نظارة طبية على المستفيدين، الأمر الذي أسهم بصورة مباشرة في تحسين القدرة البصرية ونوعية الحياة لآلاف المواطنين .
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها من كونها تعكس حجماً مقدراً من الجهد الطبي والإنساني، فضلاً عن المستوى المهني الذي أظهرته الفرق الطبية المشاركة، وما اتسمت به من انضباط وكفاءة وروح إنسانية عالية في التعامل مع المرضى والمراجعين .
البعد الإنساني والدبلوماسي
ولا تنظر السفارة السودانية في أسمرا إلى هذه المبادرة باعتبارها نشاطاً طبياً خيرياً فحسب، وإنما باعتبارها عملاً إنسانياً ذا قيمة دبلوماسية وشعبية كبيرة، يجسد إحدى أهم صور الدبلوماسية الشعبية، ويعزز التواصل المباشر بين الشعبين السوداني والإريتري.
فالدبلوماسية لا تتحرك دائماً عبر القنوات الرسمية والسياسية وحدها، وإنما تمتد إلى مجالات الصحة والتعليم والثقافة والعمل الإنساني، حيث تترك المبادرات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة أثراً عميقاً ومستداماً في الوجدان الشعبي.
ومن هذا المنطلق، فإن ما قدمته منظمة البصر الخيرية العالمية في إريتريا يمثل صورة مشرقة للدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات والمنظمات السودانية في تعزيز حضور السودان الإنساني والإيجابي في محيطه الإقليمي، وترجمة العلاقات الأخوية بين السودان وإريتريا إلى مبادرات عملية يشعر المواطن العادي بآثارها وفوائدها بصورة مباشرة .
امتداد للعلاقات الشعبية بين البلدين
وتؤكد هذه المبادرة أن العلاقات السودانية الإريترية تتمتع بقاعدة شعبية عميقة، وأن الروابط بين الشعبين تتجاوز العلاقات الرسمية والمؤسسات الحكومية إلى مجالات التواصل الإنساني والاجتماعي والثقافي والطبي .
كما أن اختيار عدد من المناطق الإريترية لتنفيذ المخيمات يمثل بعداً مهماً في هذه التجربة، إذ يوسع نطاق الاستفادة من الخدمات الطبية، ويعزز التواصل المباشر مع المواطنين في مختلف المناطق، ويؤكد أن التعاون بين البلدين يمكن أن يصل إلى المجتمعات المحلية بصورة مباشرة وملموسة .
وتأتي هذه الجهود كذلك في سياق الحضور المتزايد للكفاءات السودانية في إريتريا، ولا سيما في المجالات الطبية والأكاديمية، وهو حضور يحظى بتقدير وثقة واسعين من القيادة والشعب الإريتري، ويشكل أحد الأوجه المضيئة للعلاقات الثنائية .
إشادة رسمية وشعبية واسعة
وقد حظيت المخيمات الطبية بإشادة وتقدير كبيرين على المستويين الرسمي والشعبي في إريتريا، تقديراً لما قدمته من خدمات مجانية للمواطنين، ولما عكسته من روح التضامن والتكافل بين الشعبين الشقيقين.
كما أن التقدير الذي وجدته المبادرة يؤكد أن العمل الإنساني يظل من أكثر أدوات التواصل تأثيراً وقدرة على بناء الثقة وتعزيز الصورة الإيجابية للدول والشعوب، وهو ما يمنح هذه المبادرة قيمة تتجاوز نتائجها الطبية المباشرة إلى أبعادها الاجتماعية والإنسانية والدبلوماسية.
ومن جانبها، تؤكد سفارة السودان لدى إريتريا أهمية استمرار مثل هذه المبادرات وتطويرها، وتشجيع المؤسسات والمنظمات السودانية ذات الاختصاص على توسيع برامجها الإنسانية والطبية في إريتريا، بما يسهم في خدمة المواطنين وتعزيز العلاقات الشعبية بين البلدين.
نموذج قابل للتطوير والتوسع
وتوفر تجربة منظمة البصر الخيرية العالمية أرضية مهمة لتطوير نموذج أكثر اتساعاً للتعاون الإنساني والصحي السوداني الإريتري، من خلال تنظيم مخيمات دورية في تخصصات مختلفة، والاستفادة من الكفاءات السودانية الموجودة في إريتريا، وإقامة شراكات بين المؤسسات الصحية في البلدين.
كما يمكن البناء على هذه التجربة لتنظيم مخيمات في مجالات أخرى، مثل طب الأطفال، والباطنية، والنساء والتوليد، والأسنان، والتأهيل والعلاج الطبيعي، إلى جانب برامج التدريب وتبادل الخبرات الطبية .
وتبرز هنا أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به السفارة في تنسيق هذه المبادرات وربط المؤسسات والمنظمات السودانية بنظيراتها الإريترية، بما يحول الجهد الإنساني الفردي إلى برنامج تعاون صحي وإنساني مستدام بين البلدين .
الدبلوماسية الإنسانية .. جسر متين بين الشعبين
إن تجربة منظمة البصر الخيرية العالمية في إريتريا، بما حققته من فحص أكثر من 8,000 مريض، وإجراء 805 عمليات جراحية، وتوزيع أكثر من 5,000 نظارة طبية، تمثل نموذجاً بارزاً للدبلوماسية الإنسانية التي تخاطب الإنسان بصورة مباشرة، وتبني جسوراً من الثقة والتقدير والمحبة بين الشعوب .
وتؤكد هذه التجربة أن السودان، بما يمتلكه من كوادر طبية مؤهلة ومؤسسات ومنظمات إنسانية فاعلة، قادر على تقديم إسهامات نوعية في محيطه الإقليمي، وأن العلاقات السودانية الإريترية تملك مقومات واسعة للانتقال من التعاون الرسمي إلى شراكة شعبية وإنسانية وتنموية أكثر عمقاً و اتساعاً .
وفي هذا الإطار، فإن المخيمات الطبية لمنظمة البصر الخيرية العالمية لا تمثل مجرد خدمة صحية قدمت لآلاف المواطنين الإريتريين، وإنما تشكل رسالة إنسانية سودانية نبيلة، ونافذة مشرقة للدبلوماسية الشعبية، وإضافة نوعية إلى رصيد العلاقات الأخوية الراسخة بين السودان وإريتريا.
