كنت العام الماضي في مخرفٍ بمدينة الأبيض . أجوب نواحيها و تشرئب نفسي إلى ضواحيها..
فيقتلني الأسى كمداً عليها عندما التقي من كانوا بالأمس فيها و قد نحلت جسومهم ، و شحبت وجوههم ، و كأني بأحشائهم تقطعت إرباً ، و أعينهم أدمت مآقيها…… فسألتهم :
أحقاً جبرة و أم قرفة و أم قويز ذهب ماضيها ؟؟..أحقاً بارا جفت سواقيها ؟؟…أحقاً فنَيِتْ المنقة من دار الريح و مات ساقيها ؟؟.. صحي مات (حاحاي) الطير و رحلت ذراريها ؟… أحقاً لن أرى بعد رمالاً و خضرةً و (قيزانها) يعربد (البهم) فيها ؟…
أسئلة كثيرة تتدفق من الذاكرة بعد تنشيط ( الشفرة ) و كل سؤال تتبعه آةٌ و زفرة…حتى بكيت كالعَيْل……فتَاهَ دربي (بليل)…و امتدت آلامي إلى الصباحات ، فتدفقت ذاكرتي عبارات و سارت بها صباحات… تتنزل كل يوم فتشدني لدار ام بادر و ” السَّرجُو عَلي مكرَّب ” و ” للسِّنه ريال جيِّد دقاقو ما بليِّد ” … و يبقى مرادي نعيِّد في دار (اللِبيِّض) و لكن هيهات !!….
لم تترك أثار الحرب في النفس فرحاً بالعيد بعد ما استبيحت دار الريح و (بادت) و عشعش الجنجويد كالغربان في واديها الفسيح….
تجاذبتني دروب الهجرة من حيث أتيت لظروف قاهرة إلى القاهرة التي ساقتني إليها قبل الحرب لعل الله يعجل بفرجها….
لا أدري ما الذي أفزعني من نومي بعد صلاة الصبح و أنا أردد بيت أبي الطيب المتنبيء :
عيدٌ بأيَّة حال عُدت يا عيد
بما مضي أم لأمر فيك تجديد…..
و لم استذكر بهذا البيت إلا ما كنت أكتبه في يومياتي صباحات الأبيض في تلك الأيام العامرة بالأهل ، و الزاحرة بخيرات الخريف ، و الرطبة بزخات المطر . فقلت لعل موقفي يشبه موقف المتنبيء غير أنه خرج خلسة لمفارقة قومٍ (لئام) و أنا خرجت طوعاً لمفارقة قومٍ (كرام) لكنا نلتقي في الهم و التسهيد و مفارقة أرضٍ زاخرة بالخير لكن لم يُحسن فيها التدبير !!…
فمصر كانت في نظر المتنبيء كالبستان الذي غفل عنه الحرَّاس فاستباحته الثعالب ( اللصوص) فشبعت منه و تركت الخير وافراً و لن يفنى فقال واصفاً همومه :
يا ساقِيَيَّ أخَمْرٌ في كؤسِكُما
أم في كؤوسكما هَمٌ و تسهيدُ
و قال يصف خير مصر الذي غفل عنه الحراس فاستباحته اللصوص :
نامت نواطير مصر عن ثعالبها
فبشِمْنَ و ما تفنى العناقيدُ
و أنا تسوقني ذكريات الغرا دار العلوم و ابقبة فحل الديوم قائلاً :
نامت جيوش الغرا عن ثعالبها
فشَبِعنَ و ما تفنى الأماديدُ
إلى متى تكون أرضها مسرحاً
يعبث فيه الأوباش الجنجويدُ
و إلى متى ينام أهلها و قد علموا
أن الحديد لا يفكه إلا الحديدُ
فكم في أبقبة من جيوش و مشتركة
وهجانة عليها رجال صناديد
فمن للأبيض اليوم و نيران العدو تشعل ليلها و نهارها… من للأبيض اليوم و قد طوق العدو وديانها و ديارها…و من لكردفان و دارفور حتى استبيحت غفارها…
أما آن لأهلها و شبابها أن يثوروا قبل أن تقطف ثمارها ؟؟؟…
يقول المثل ” ما حك جلدك مثل ظفرك “
و (مالكم إذا قيل لكم انفروا اثاقلتم إلى الأرض) و ألا تنفروا فلن تبقى لكم أرض و لن يسلم فيكم عِرض….
و من أهمل أرضه و عِرضِهْ لن يجد من يأويه و يرْضَهْ……
دعوا الجدل و التنظير و حيا على النفييييير…..
دمتم بخير و الأبيِّض بخير……
الاستاذ/ الغالي الزين حمدون
٢٠٢٦/٦/١٥م…
