السبت, يونيو 13, 2026
الرئيسيةمقالاتإما وحدة القرار أو "حكومة حرب": الشارع السوداني يرفض ثنائية السلطة الاقتصادية....

إما وحدة القرار أو “حكومة حرب”: الشارع السوداني يرفض ثنائية السلطة الاقتصادية. بقلم/ محمد حسن سفيان

كتب: محمد حسن سفيان

في وقت يمر فيه السودان بمنعطف تاريخي واقتصادي بالغ التعقيد، يتطلع المواطن إلى مراكز القرار عساها تقدّم رؤية موحدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن المشهد السياسي الحالي يعكس واقعاً مغايراً تماماً؛ حيث بدت مؤسسات إدارة الدولة وكأنها جزر معزولة تعمل بمعزل عن بعضها البعض، وهو ما تجلى بوضوح في عقد اجتماعين منفصلين لمناقشة ذات الأزمة: ارتفاع سعر الصرف وتدهور وفرة الوقود.
المشهد الأول: اللجنة الاقتصادية بالسيادي تضع الخطوط العريضة
من جهة، ترأس الفريق مهندس إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة الانتقالي ورئيس اللجنة الاقتصادية، اجتماعاً موسعاً للجنة لمناقشة الاختلالات الكبيرة في أسواق سعر الصرف وشح الإمدادات البترولية. خرج الاجتماع بتوجيهات سيادية وقرارات أمنية وإدارية لكبح جماح السوق الموازي وتأمين تدفقات الوقود. هذا التحرك، رغم أهميته، يضع اللجنة الاقتصادية بمجلس السيادة في واجهة الإدارة التنفيذية المباشرة للاقتصاد.
المشهد الثاني: مجلس الوزراء يجتمع على ذات الطاولة المهجورة وفي ذات التوقيت تقريباً، يعقد مجلس الوزراء – وهو الجهة التنفيذية الأصيلة المنوط بها إدارة الاقتصاد ورسم السياسات المالية والنقدية – اجتماعاً منفصلاً لمناقشة الأزمة نفسها وتداعياتها على معاش الناس. هذا الانفصال في مناقشة قضية واحدة يثير تساؤلات جوهرية: إذا كانت التوجيهات تصدر من اللجنة الاقتصادية السيادية، فما هو الدور الفعلي لمجلس الوزراء والوزارات؟ وهل تحولت الحكومة التنفيذية إلى مجرد أداة لتنفيذ رؤى تُصنع خارج أروقتها؟
التناقض وتداعياته: صراع مكتوم أم غياب للتنسيق؟
هذا التوازي في إدارة الأزمات لا يمكن تفسيره إلا عبر احتمالين كلاهما مر:
وجود صراع مكتوم ومراكز قوى متعددة: حيث تحاول كل جهة إثبات سيطرتها على الملف الاقتصادي الحساس، مما يؤدي إلى تضارب القرارات وإرباك السوق والمستثمرين.
غياب التنسيق والترهل الإداري: وهو ما يعكس عجز الدولة عن خلق منظومة اتصال موحدة لإدارة الأزمات في وقت الحرب والطوارئ.
لماذا يُعد هذا الأمر غير مبشر؟
إن إدارة الاقتصاد في ظروف استثنائية تتطلب “وحدة القيادة والقرار”. عندما يرى تاجر العملة والمستورد والمواطن العادي هذا التشتت، يفقد الجميع الثقة في قدرة الدولة على ضبط الأسواق. تضارب الإشارات الصادرة من السيادي والتنفيذي يؤدي عادة إلى:
تأجيج المضاربات: يستغل تجار الأزمات هذا الارتباك لرفع الأسعار وزيادة حدة المضاربة على العملة الصعبة.
إضعاف هيبة المؤسسات التنفيذية: تفقد الوزارات قدرتها على المناورة وفرض هيبتها إذا شعر الشارع بأن القرار الحقيقي يصدر من مكان آخر.
إطالة أمد الأزمة: بدلاً من التركيز على حلول جذرية (زيادة الإنتاج، ترشيد الاستيراد، ضبط الصادرات)، تضيع الجهود في اجتماعات متوازية ومكررة.
إن تخوف الشارع من هذا التناقض هو تخوف مشروع تماماً. إدارة الدولة في هذا التوقيت لا تحتمل ثنائية القرار أو صراع الصلاحيات. يحتاج السودان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى دمج هذه الجهود تحت مظلة واحدة واضحة، بحيث يتفرغ مجلس السيادة للملفات الاستراتيجية والأمنية العليا، وتُترك إدارة تفاصيل الاقتصاد التنفيذية لمجلس الوزراء والآليات المختصة، منعا للتضارب وبثاً لروح الطمأنينة في جسد اقتصاد منهك لا يحتمل المزيد من الصدمات وذلك يتأتي بالاتي :
إنهاء التداخل الإداري بين الشق السيادي والشق التنفيذي (مجلس الوزراء) يُعد خطوة جوهرية لفرملة تدهور سعر الصرف وضمان استقرار إمدادات الوقود. في ظل الأوضاع الاستثنائية الحالية وإقرار “موازنة 2026 الطارئة” برئاسة رئيس الوزراء د. كامل إدريس، تبرز مصفوفة من الآليات القانونية والإدارية الكفيلة بإنهاء تشظي القرار الاقتصادي:
أولاً: الآليات القانونية (ضبط الصلاحيات)
إصدار مرسوم دستوري مؤقت لتحديد الاختصاصات: تعديل أو إصدار ملحق دستوري يمنح مجلس الوزراء الولاية الحصرية والكاملة على “إدارة الشأن التنفيذي اليومي للاقتصاد”، بما في ذلك ضبط الأسواق، تحديد سياسات استيراد الوقود، وإدارة النقد الأجنبي بالتنسيق مع بنك السودان المركزي.
إعادة تعريف دور “اللجنة الاقتصادية بالسيادي”: تحويل دور اللجنة بقيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر من سلطة “تنفيذية وإصدار توجيهات مباشرة” إلى آلية “استشارية وتنسيقية عليا”. تنحصر مهمتها في ربط الرؤية الأمنية والعسكرية للدولة بالاحتياجات الاقتصادية دون التدخل في آليات السوق.
تفعيل قوانين الطوارئ الاقتصادية الرادعة: بدلاً من صدور التوجيهات الأمنية من السيادي بشكل منفصل، تُفوض هذه الصلاحيات قانونياً لـ “نيابات الطوارئ والآليات العدلية” التابعة لوزارة العدل ووزارة الداخلية، لتعمل تحت إشراف القطاع الاقتصادي بمجلس الوزراء لكبح مضاربي العملة.
ثانياً: الآليات الإدارية الهيكلية (توحيد قنوات التنفيذ)
دمج اللجان في “المجلس الأعلى للمجهود الاقتصادي الحربي”: دمج اللجنة الاقتصادية السيادية والقطاع الاقتصادي بمجلس الوزراء في مجلس واحد موحد يرأسه رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس، ويكون الفريق إبراهيم جابر عضواً رئيسياً فيه يمثل المكون السيادي والأمني. هذا يضمن صناعة القرار في غرفة واحدة وخروجه ببيان موحد للسوق.
حصر توحيد الخطاب الإعلامي والاقتصادي: منع صدور بيانات صحفية موازية حول سعر الصرف والوقود. يُعتمد “الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء” أو “وزارة المالية” كجهة وحيدة لإعلان السياسات والقرارات الاقتصادية النافذة لقطع الطريق أمام المضاربين في السوق الموازي.
إنشاء غرف طوارئ قطاعية مشتركة:
ملف الوقود: يُدار عبر غرفة طوارئ تترأسها وزارة الطاقة والنفط وعضوية ممثلين عن الاستخبارات العسكرية والأمن الاقتصادي (لتأمين مسارات الإمداد فقط)، دون تداخل سيادي في قرارات الاستيراد والتوزيع.
ملف الصرف: يُدار عبر آلية مشتركة بين بنك السودان المركزي ووزارة المالية لضبط حصائل الصادرات (كالذهب والمعادن التي يتابعها الشق السيادي) وضخها مباشرة في القنوات الرسمية للجهاز المصرفي.
إن نجاح موازنة الطوارئ الحالية لعام 2026 يعتمد كلياً على “وحدة القيادة”. القانون يمنح مجلس الوزراء الحق في إدارة الاقتصاد، والواقع يتطلب من مجلس السيادة تقديم “الإسناد الأمني والسياسي” فقط، وترك المطبخ التنفيذي للوزراء المختصين، لتجنب الإشارات المتناقضة التي تدفع الجنيه السوداني لمزيد من الهبوط.
او ترك كل ما سبق والاتجاه لحكومة حرب بصهر “السيادي” و”الوزراء” في بوتقة واحدة
بدلاً من مجلس سيادة في مبنى ومجلس وزراء في مبنى آخر تُحل كافة اللجان المتداخلة وتُشكل حكومة حرب مصغرة (لا تتعدى 7 إلى 9 أعضاء) تجمع صناع القرار الفعليين:
رئيس مجلس السيادة (رئيساً لحكومة الحرب).
رئيس مجلس الوزراء (نائباً رئيسياً للشؤون التنفيذية والاقتصادية).
عضو مجلس السيادة المشرف على الملف الاقتصادي (الفريق إبراهيم جابر).
الوزراء السياديون فقط (الدفاع، الداخلية، الخارجية، والمالية).
النتيجة الفورية: يجلس الجميع على طاولة واحدة يومياً. القرار الذي يصدر يكون ملزماً للجيش، والأمن، والوزارات، وبنك السودان في ذات اللحظة، وتختفي تماماً عبارات مثل “وجهت اللجنة الاقتصادية” و”قرر مجلس الوزراء”.

  1. السيطرة المطلقة على ملف “الوقود وسعر الصرف والسلع الاساسية”
    في ظل حكومة الحرب، يُعامل ملف الاقتصاد كـ “جبهة قتال” لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية:
    ملف الصرف: يتم تعليق الإجراءات البيروقراطية المعتادة. تصدر حكومة الحرب قرارات فورية وموحدة لتركيز كل السيولة النقدية الأجنبية (من صادرات الذهب والمحاصيل) لصالح المجهود الحربي واستيراد السلع الاستراتيجية، مع إغلاق قنوات المضاربة بيد من حديد وتحت قيادة موحدة.
    ملف الوقود: يُصبح استيراد وتوزيع الوقود ملفاً أمنياً-تنفيذياً مشتركاً. تُشرف الحكومة على تخصيص الحصص وتأمينها وتوزيعها لضمان استمرار الإنتاج والخدمات دون خضوع لتقلبات السوق أو تضارب قرارات الوزارات مع توجيهات اللجنة الاقتصادية.
    توحيد البوصلة أمام الرأي العام والأسواق
    إن السوق الموازي لملف الصرف أو الوقود يقتات على “الإشاعات” و”الارتباك الحكومي”. عندما يرى التجار والمضاربون أن الدولة تدار بـ “رأس واحد” وببيان رسمي واحد يصدر من المتحدث باسم حكومة الحرب:
    ينتهي التكسب من ثغرات الخلافات الحكومية.
    تُفرض هيبة الدولة بشكل حاسم في الأسواق.
    تتوجه كل طاقات أجهزة الدولة نحو هدف واحد بدل استهلاك الوقت في خطابات متبادلة واجتماعات تنسيقية لا تنتهي.
    الخلاصة
    تجاوز الحلول الإدارية نحو حكومة حرب هو اعتراف شجاع بأن أدوات وقت السلم لا يمكنها إدارة أزمات وقت الحرب. هذا الخيار هو الكفيل بإنهاء “جزر القرار المعزولة”، ويمنح الدولة الرؤية الموحدة والقبضة الحديدية اللازمة لإنقاذ الوضع الاقتصادي ومعاش الناس قبل فوات الأوان.
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات