الجمعة, يونيو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتثمن العودة ...

ثمن العودة بقلم/ د. اسماعيل الحكيم


إنّ أصدق تعريف للعودة إلى الخرطوم هي عبورٌ شاق بين زمنين ، زمنٍ كانت فيه المدينة تنبض بالحياة والحياء ، وزمنٍ آخر ما تزال آثار الحرب محفورةً على جدرانه وطرقه ووجوه أهله.
وهمٌ كبير يعيشه من يظن أن العودة إلى الخرطوم ستكون عودةً إلى ذات المدينة التي غادرها قبل الحرب، فالخرطوم التي عرفناها لم تخرج من أتون المعركة كما دخلته، ولم تسلم من ندوب الاقتتال التي تركت بصماتها على الحجر والبشر معاً. إن النهوض بعد الدمار ليس قراراً يُتخذ، بل مسيرة طويلة من الصبر والعمل والتضحيات، والإعمار بعد الخراب لا يتم بين ليلة وضحاها، كما أن الأمن بعد الحرب يحتاج إلى زمن حتى يستعيد عافيته وتعود الحياة إلى إيقاعها الطبيعي.
ومن يعود اليوم إلى الخرطوم سيجد مدينةً ترتدي ثوباً من الكآبة الثقيلة؛ بنايات سودتها النيران، وممتلكات بعثرتها يد الخراب، وشوارع ما تزال تروي حكايات الألم والفقد. سيجد أن قطوعات الكهرباء لم تعد حدثاً ثانوياً، وأن شح المياه أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، وأن أبسط الخدمات التي كانت تؤخذ على أنها أمرٌ طبيعي أصبحت تحدياً يومياً يواجه السكان.
لكن أكثر ما يلفت النظر ليس ما أصاب المباني، بل ما أصاب النسيج الاجتماعي ذاته. فالتغير الديموغرافي الذي فرضته الحرب والنزوح والهجرة غيّر ملامح الأحياء. إذ لم يعد الجيران هم الجيران، ولا الوجوه هي الوجوه. بيوت استقبلت آخرين، وأخرى أغلقت أبوابها بعد أن غادر أصحابها إلى جهات لا يعلمها إلا الله. أسماء كثيرة اختفت من دفاتر الحي، وأصوات كانت تملأ الأمسيات غابت تاركةً خلفها صمتاً ثقيلاً لا تخطئه العين ولا الأذن.
لقد صنعت الهجرة والنزوح فراغاً اجتماعياً عميقاً، فأصبحت بعض الأحياء أشبه بمدنٍ فقدت جزءاً من ذاكرتها. السكون الذي يخيم على الطرقات، والصمت الذي يسكن البيوت، هي شهادة حية على حجم التحولات التي أحدثتها الحرب في المجتمع السوداني.
لذلك فإن العودة إلى الخرطوم ليست مجانية الثمن. لكل عائد فاتورة لا بد أن يدفعها ، صبراً على نقص الخدمات، وتحملاً لمشقة الحياة، وقدرةً على التعايش مع واقع مختلف تماماً عن ذلك الذي تركه خلفه يومئذٍ ، إنها عودة تتطلب إعادة اكتشاف المدينة من جديد، والتصالح مع حقيقة أن الأشياء لا تعود دائماً كما كانت.
ومن يقارن بين خرطوم الأمس وخرطوم اليوم كمن يقارن بين السماء والأرض، وبين الليل والنهار. فالحرب لم تغيّر المشهد العمراني وحده ، إنما أعادت تشكيل الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والصحي. وتركت آثاراً في الأسواق وفرص العمل، وفي المدارس والمستشفيات، وفي العلاقات الاجتماعية وشعور الناس بالأمان والاستقرار.
ومع ذلك، فإن الاعتراف بثمن العودة لا يعني الاستسلام لليأس، بل هو الخطوة الأولى نحو الفهم الصحيح للواقع. فالأوطان التي تتعرض للحروب لا تنهض بالأمنيات، وإنما بإرادة أبنائها وصبرهم وإيمانهم بأن الخراب مهما طال عمره إلى زوال ، وأن المدن العظيمة قد تتعثر لكنها لا تسقط وتعجز عن القيام .
ستعود الخرطوم يوماً كما يتمنى أهلها، وربما أجمل مما كانت، لكن ذلك لن يحدث دفعة واحدة. فالمدن، مثل البشر، تحتاج إلى وقتٍ لتلتئم جراحها، وتحتاج إلى سنواتٍ لتستعيد عافيتها. وحتى يحين ذلك اليوم، يبقى ثمن العودة هو الصبر على واقعٍ مؤلم، والعمل من أجل مستقبلٍ يستحق أن يُبنى فوق أنقاض الحرب لا أن يبقى أسيراً لها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات