الأحد, يونيو 7, 2026
الرئيسيةمقالاتبينما يحترق الوطن… بعضهم يبحث عن جلود الخراف ...

بينما يحترق الوطن… بعضهم يبحث عن جلود الخراف بقلم/ عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

بقلم / عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

يُحكى أن رجلاً اشتعلت النار في حظيرة أغنامه، فهبّ مسرعاً يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من القطيع. كان اللهب يتصاعد، والدخان يملأ المكان، والخسائر تتزايد مع كل لحظة تمر. وبينما هو يلهث في معركة يائسة لإنقاذ مصدر رزقه وحياته، تقدم إليه رجل وسأله بكل هدوء: “هل تبيعني جلود الأغنام التي احترقت؟”
لم يكن السؤال في غير موضعه فحسب، بل كان صادماً. فالرجل الذي يواجه كارثة وجودية لا يفكر في الجلود، وإنما في إخماد النار وإنقاذ ما تبقى من القطيع.
هذه القصة تختصر إلى حد كبير واقع السودان اليوم.
فالوطن يواجه واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث. الحرب لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين، وملايين السودانيين بين نازح ولاجئ ومشرد، والاقتصاد يعاني، والخدمات الأساسية تتراجع، فيما تتسع دائرة المعاناة الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
وفي خضم هذه المأساة الوطنية، كان المتوقع من القوى السياسية أن ترتفع إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن تجعل من وقف الحرب واستعادة الاستقرار وبناء مشروع وطني جامع أولويتها القصوى. لكن ما يراه المواطن السوداني في كثير من الأحيان هو استمرار الصراع حول المواقع والأدوار وموازين النفوذ، وكأن الوطن لا يعيش هذه المحنة الكبرى.
وقد جاء مؤتمر أديس أبابا الأخير ليعيد طرح كثير من التساؤلات حول مستقبل العملية السياسية في السودان. فبدلاً من أن يشكل المؤتمر خطوة نحو توسيع دائرة التوافق الوطني وجمع أكبر قدر ممكن من القوى السياسية والمجتمعية حول مشروع لإنقاذ البلاد، رأى كثير من المراقبين أن مخرجاته حملت مؤشرات إقصاء لبعض القوى الفاعلة والمؤثرة في المشهد السوداني.
ومهما كانت المبررات السياسية لهذا التوجه، فإن التجربة السودانية علمتنا أن الإقصاء لا ينتج استقراراً، وأن تجاهل القوى المؤثرة على الأرض لا يؤدي إلى حلول مستدامة. فالأزمات الوطنية الكبرى لا تُحل بمنطق الغالب والمغلوب، ولا بإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي الذي كان أحد أسباب تعقيد المشهد طوال العقود الماضية.
إن السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من الانقسامات. ولا يحتاج إلى منصات سياسية جديدة تتبادل الاتهامات أو ترسم خرائط لمستقبل البلاد في غياب أطراف رئيسية من المشهد. بل يحتاج إلى حوار وطني واسع وشامل، يستوعب الجميع دون استثناء، ويضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الحزبية والفئوية الضيقة.
لقد تعب السودانيون من المبادرات التي تبدأ بشعارات الوحدة وتنتهي بإنتاج اصطفافات جديدة. وتعبوا من المؤتمرات التي تتحدث عن المستقبل بينما تتجاهل حقائق الحاضر وتعقيداته. فالمواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه أو أحد أفراد أسرته لا تعنيه كثيراً تفاصيل التوازنات السياسية بقدر ما يعنيه أن يرى طريقاً واضحاً نحو السلام والاستقرار.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن تستمر النخب السياسية في إدارة خلافاتها القديمة بينما تتآكل الدولة وتتسع معاناة المواطنين. فحين يكون الوطن كله على المحك، يصبح الإصرار على الإقصاء نوعاً من المغامرة بمصير البلاد.
ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تخرج من هذه المرحلة واضحة وبسيطة: لا أحد يستطيع أن يبني سودان المستقبل وحده، ولا أحد يملك حق احتكار تمثيل الشعب السوداني أو رسم مصيره منفرداً. فالسودان وطن يتسع للجميع، وأزمته لن تُحل إلا بمشاركة الجميع.
وحين تكون الحظيرة مشتعلة، فإن الحكمة تقتضي أن نتعاون جميعاً لإطفاء النار، لا أن ننشغل بتوزيع الجلود أو تحديد من يحق له الاقتراب من القطيع ومن يجب إبعاده عنه.
فالتاريخ لا يرحم الذين يختلفون على تفاصيل المكاسب الصغيرة بينما تضيع الأوطان أمام أعينهم.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات