الإثنين, يوليو 27, 2026
الرئيسيةمقالاتمن جذور النكبة إلى معركة الكرامة: كيف أضاعت أحزاب "الإطاري" الوطن.. وكيف...

من جذور النكبة إلى معركة الكرامة: كيف أضاعت أحزاب “الإطاري” الوطن.. وكيف يحمي السلاح والقلم سيادته؟بقلم/ محمد سيد


​في تاريخ الأمم، لا تُقاس الأزمات بحجم ما تُحدثه من دمار مادي فحسب، بل بكيفية تشكّلها والروافع السياسية والأيدولوجية التي سمحت لها بالحدوث. وما يمر به السودان اليوم ليس وليد اللحظة، ولا مجرد انفجار مفاجئ للصراع في منتصف أبريل، بل هو النتيجة الطبيعية والمحتومة لمسار طويل من “الخيانة الكبرى” التي تورطت فيها أحزاب “الإطاري”، والتساهل غير المبرر الذي حوّل باحة اعتصام القيادة العامة إلى منصة للانقضاض على إرادة الأمة.
​إن الخطأ التاريخي الفادح الذي يُدفع ثمنه اليوم دماً مسفوكاً وتشريداً للملايين، بدأ حين حولت هذه الأحزاب باحة الاعتصام إلى مسرح مستباح للتدخلات الأجنبية السافرة، حيث شهد العالم كيف تحوّلت لقاءات سفراء الدول الغربية والإقليمية مع قيادات تلك الأحزاب من الغرف المغلقة إلى وضح النهار دون رادع. ففي تلك الليالي، كان عملاء السفارات يجتمعون ويساهرون مع موائدهم الأجنبية، يتلقون منها الأجندات الصريحة والتوجيهات والتعليمات المباشرة لترتيب أوراق البلاد وفق أهوائهم ومصالح مموليهم.
​ولم تتوقف خطورة هذه الأحزاب عند حدود الارتهان التقليدي، بل ارتقى خطؤها التاريخي حين انتقلت عمالتها من مربع “العمل بالوكالة” وتنفيذ التوجيهات غير المباشرة، إلى مربع التخابر والعمالة المباشرة والصريحة مع الكيان الصهيوني، والارتهان التام لأجندات دولة الإمارات عبر تلقي الدعم المادي واللوجستي المباشر منها. لقد ثبت بالدليل القاطع أن العبث الذي جرى تحت مظلة ما سُمي بـ “الاتفاق الإطاري” لم يكن منافسة سياسية شريفة أو صراعاً على السلطة، بل كان مشروعاً مدفوع الأجر لخلق مشهد سياسي مُفصل وفق أجندات خارجية تمتد من الدوائر الغربية والإقليمية إلى المخططات الصهيونية، استهدفت بالأساس طمس هوية الشعب السوداني الحنيفة، وهدم مرتكزاته الثقافية والوطنية الضاربة في الجذور.
​إن القراءة الدقيقة للبنية الفكرية والسياسية لأحزاب “الإطاري” تكشف عن أزمة عميقة في الهوية وفقدان شامل للبوصلة السودانية؛ فهذه الكيانات لا تمتلك ديباجة سياسية نابعة من وجدان الشارع أو متطلباته، إذ إن معظمها مجرد أفكار مُستوردة ومُهجنة أُقحمت على المجتمع السوداني بإسقاط أيدولوجيات وافدة كالفكر البعثي بشقيه العراقي والسوري أو الفكر الناصري، أو بأجندات ممولة أثبتت التجربة أن أصحابها مرتهنون للشرط الخارجي، يُدارون ويتحركون بناءً على توجيهات الممولين لا تطلعات المواطنين المكلومين.
​ومع اندلاع حرب الكرامة وضراوة الاعتداءات التي مارستها المليشيا المرتزقة ضد المواطنين العزل، انكشفت الأقنعة بشكل كامل وسقطت الدعاوى الزائفة؛ إذ إن الادعاء بـ “الحياد” أو رفع شعارات “لا للحرب” دون توجيه إدانة صريحة ومباشرة للمليشيا يُعدّ في التقدير الوطني انحيازاً كاملاً للمعتدي. وهنا يبرز السؤال الوطني المستحق: لماذا تتجاهل هذه الدعوات المشبوهة المطالبة بوقف الحرب المطلب الأساسي والمنطقي، وهو إرغام المليشيا على الخروج من منازل المواطنين التي نهبوها وشردوا أهلها، والإخلاء الفوري والشامل للأعيان المدنية والمؤسسات الخدمية؟ إن التستر على جرائم المليشيا أو تبريرها تحت أي مسمى يضع هذه الأحزاب في خانة الشراكة المباشرة في الجرم الواقع على الشعب الصابر.
​إننا حين نقف اليوم ونرى هذه الأحزاب ما زالت تمارس عمالتها، وتتحول إلى أبواق إعلامية تدافع عن المليشيا وتبرر جرائمها، يعتصر قلوبنا ألمٌ حقيقي وتتجدد في أنفسنا الأحزان مع كل يوم؛ أحزانٌ على ما فقدناه من أرواح عزيزة، وممتلكات جُمعت بشقاء السنين، وذكريات تاريخنا الطويل الذي بنيناه مدماكاً فمدماكاً عبر العقود. ولا ندري كم تبقى في العمر، ولكن غاية ما نتمناه ونرجوه، ويرجوه كل سوداني حرّ حريص على شموخ هذا الوطن وكبريائه، هو أن نرى هذه الأحزاب قد مُسحت تماماً من ذاكرة السودان، لتُطوى صفحتها السوداء كعذاب طارئ وكابوس ثقيل تسلّط على الأمة، قبل أن يمنّ الله علينا بفضله، وبفضل بسالة قواتنا المسلحة وقيادتنا الوطنية الحالية الأبية، بإزاحة هذه الظلمة وتبديد هذا الكابوس عن صدورنا.
​إن المرحلة القادمة من تاريخ السودان لن تُبنى على المساومات ولا على الأفكار الصنيعة، بل هي ملك خالص لكل سوداني حرّ وقف في خندق الوطن؛ ملك لأصحاب البندقية من القوات المسلحة والقوات المساندة لها التي تخوض معركة الوجود، وأصحاب القلم من الكُتّاب والإعلاميين والوطنيين الذين يذودون عن الحقيقة ويفضحون المؤامرات. لقد صابر هذا الشعب وطال أذاه، ولن تكون في سودان الغد أي مساحة لمن خان، أو هادن، أو باع الإرادة الوطنية لسفارة أجنبية؛ فمعركة الكرامة ليست مجرد دحر للمليشيا في الميدان، بل هي استرداد حقيقي للسيادة الوطنية، وهدم لكافة هياكل العملاء والارتهان ومسحها تماماً من الوجود، ومن ذاكرة الوطن، ومن وجدان الشعب السوداني الأبي.
​وفي أوج هذه الملحمة الوطنية، نُبارك لأنفسنا ولجموع شعبنا الأبي هذا النصر العزيز والفتح المبين الذي حققته قوات شعبنا المسلحة الباسلة والقوات المساندة لها؛ نصرٌ كسر شوكة مليشيات الظلم والبغي والعدوان الإرهابية المدعومة صهيونياً، وأسقط معها أحزاب “الإطاري” المتواطئة. لقد رسم أبطال القوات المسلحة بدمائهم الزكية ملحمة بطولية تُخلّد في أنصع صفحات التاريخ يوم أمس في أم سيالة، وبارا، وجبرة الشيخ، ليكون هذا الاندحار صفعة لكل خائن، وبداية النهاية لتركة الإرهاب والنهب والارتهان.
​الله أكبر، والعزة لله، وللسودان، ولجيش السودان الباسل وكل القوات المساندة والمرابطة في ثغور الوطن!
​ختاماً، فإننا نرفع أكف الضراعة إلى العلي القدير، أن يتقبل شهداء معركة الكرامة بواسع رحمته، وأن يسبغ عليهم جلائل المجد والخلود، وأن يمنّ بالشفاء العاجل والناجز على كل جريح ومصاب حمل السلاح ذوداً عن ثرى السودان وملبياً نداء الواجب. نسأل الله تبارك وتعالى أن ينصر قواتنا المسلحة الباسلة والقوات المساندة لها في كل شبر وموقع من بقاع وطننا الحبيب، وأن يكلأ قيادتنا الوطنية الرشيدة بالتوفيق والسداد، ويسدد خطوها لما فيه خير البلاد والعباد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات