في الوقت الذي يتشكل فيه مخاض النظام العالمي الجديد على أنقاض الهيمنة القطبية الواحدة، وسط صراع محتدم بين القوى التقليدية والصاعدة، يقف العالم العربي أمام مفترق طرق مصيري. لم يعد السؤال مقتصراً على مدى تأثر العرب بالمتغيرات الدولية، بل تجاوز ليطرح إشكالية أعمق: هل سيكون العرب فاعلين شركاء في صياغة قواعد المرحلة المقبلة، أم مجرد مسرح لتوازنات القوى الخارجية وموارد مستباحة لسلاسل الإمداد العالمية.
1_ الجغرافيا السياسية وأوراق الضعف والقوة
تملك المنطقة العربية موقعاً جغرافياً استراتيجياً فريداً يتوسط قارات العالم القديم، ويتحكم بأهم الممرات المائية ومنافذ الطاقة التي لا غنى عنها للاقتصاد العالمي (مثل باب المندب، قناة السويس، مضيق هرمز).
وعلى الرغم من هذه الأهمية التاريخية، إلا أن المشهد العربي يتسم بالتداخل الشديد بين عوامل القوة والضعف:
- الأهمية الجيوسياسية المطلقة: تظل المنطقة محط أنظار القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا) نظراً لكونها عصب إمدادات الطاقة العالمية والأسواق الواعدة.
- التشظي والانقسام: يعاني العالم العربي من غياب إطار سياسي موحد أو كتلة صلبة منسجمة، مما يجعله عرضة لسياسات “الاحتواء والابتزاز”.
2_ التحولات الاقتصادية: الدبلوماسية التنموية في الخليج ومصر
على الصعيد الداخلي، تشهد بعض العواصم العربية تحولات نوعية عبر تبني رؤى استراتيجية واقتصادية طموحة، محاولة القفز فوق التحديات التقليدية:
- الدور الخليجي المتصاعد: تقود المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات حراكاً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً نشطاً، جعلها محط أنظار القوى الدولية والإقليمية الساعية لبناء شراكات متوازنة. هذا الصعود أسّس لما يمكن وصفه ب “الدبلوماسية المستقلة” التي تنوع تحالفاتها بين الغرب والشرق (بريكس والصين وروسيا).
- مشاريع التنمية في مصر: تسعى مصر رغم التحديات الاقتصادية الجسيمة إلى تثبيت دورها المحوري من خلال مشاريع تنموية كبرى وتعزيز حضورها في تأمين سلاسل الإمداد والاستقرار الإقليمي.
- الدول الفاشلة والهشاشة الأمنية: في المقابل، تعاني عواصم عربية أخرى مثل (ليبيا، السودان) من فراغ سياسي وتداخلات أجنبية حولت أراضيها إلى ساحات صراع بالوكالة، مما يهدد الأمن القومي العربي ككل.
3_ صراع الممرات والطاقة: هل العرب شركاء أم تابعون؟
في أدبيات النظام العالمي الجديد، لا ينظر إلى الدول بعدد السكان فحسب، بل بقدرتها على حماية الاقتصاد والتكنولوجيا وحرية التجارة. تطرح الدوائر الغربية خصوصاً في ظل التطورات الاقتصادية والجيوسياسية المتلاحقة أن حماية الممرات البحرية وضمان تدفق الطاقة باتت تتطلب أدواراً مركزية لقوى ذات مسؤولية عالمية، ما يضع الدول العربية أمام تحد وجودي.
- خيار الشراكة الندية: يتطلب تحول العرب إلى شركاء حقيقيين تعزيز التنسيق البيني، وتوظيف الثروات المالية وموقع الممرات البحرية.
- مخاطر التبعية: تحذر مراكز الأبحاث من أن استمرار الخلافات البينية وغياب استراتيجية أمن قومي عربي موحد سيقودان إلى تهميش إضافي، وجعل الإقليم عرضة لتقاسم النفوذ بين القوى الدولية المتصارعة على كعكة الطاقة والممرات المائية في المنطقة.
خلاصة المشهد
إن موقع العرب في النظام العالمي الجديد لم يُحسَم بعد بشكل نهائي، فهو ليس قدراً محتوماً بالتبعية، ولا هو نجاح مضمون بالفرص المنفردة. بينما تبرز محاولات جادة لبعض الدول العربية لانتزاع مكانة قطبية وازنة عبر الاقتصاد وتنويع التحالفات، يظل النجاح رهناً بمدى القدرة على بناء “تكتل استراتيجي حقيقي” يحمي المصالح المشتركة، ويفرض احترام السيادة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
ويبقى سؤال: متى سيتحد العرب كقوة اقتصادية وسياسية حفاظاً على قوتهم في ظل النظام العالمي الجديد؟
بقلم: عميد شرطة (حقوقي)
م. محمد علي عبدالله عبد الدائم
