محمد حسن سفيان
تاريخ القوات المسلحة السودانية حافل بالإرث العسكري العريق والمؤسسية الصلبة؛ فمنذ نشأتها، بُنيت هذه المؤسسة الوطنية على عقيدة قتالية احترافية ترتكز في مقامها الأول على الدفاع عن سيادة الوطن، وحماية حدوده، وصون أمنه القومي. لم يكن الجيش السوداني يوماً جيشاً معتدياً أو باحثاً عن حروب عبثية، بل كان دوماً السد المنيع الذي تتحطم عليه الأطماع الخارجية والفتن الداخلية.
غير أن الحرب الأخيرة التي فرضتها دويلة الامارات بمعاونة مليشيا آل دقلو الإرهابيتين على البلاد والعباد لم تكن مجرد تمرد عسكري تقليدي؛ بل كانت معركة وجودية استهدفت بنية الدولة، ومؤسساتها، وكرامة مواطنيها. أمام هذا الخطر غير المسبوق، وجد الجيش السوداني نفسه أمام استحقاق تاريخي يتطلب استراتيجية جديدة تتناسب مع حجم التهديد وطبيعة حرب المدن والعصابات.
التحول الميداني: من امتصاص الصدمة إلى المبادأة بالهجوم
في بدايات المواجهة، اعتمدت القوات المسلحة على استراتيجيتها الثابتة: امتصاص الصدمة الأولى، والحفاظ على المقرات الاستراتيجية، وحماية المدنيين بأقصى قدر ممكن. غير أن طبيعة المليشيا القائمة على النهب، والتمدد في الأحياء السكنية، واتخاذ المواطنين كدروع بشرية، جعلت خيار الدفاع الاستراتيجي غير كافٍ لإعادة الاستقرار والتطهير الكامل.
هنا، أظهرت قيادة الجيش مرونة تكتيكية وعسكرية عالية، حيث أعادت ترتيب الأوراق وغيّرت العقيدة الميدانية من الدفاع والاحتواء إلى الهجوم والانقضاض.
هذا التحول لم يكن مجرد قرار إداري، بل تطلب إعادة تنظيم القوات، وتحديث تكتيكات حرب المدن، وتجهيز المحاور القتالية، وهو ما يفسر منطقياً تأخر حسم المعارك في بعض الفترات. إن الانتقال من وضعي الدفاع والتثبيت إلى التمدد والهجوم في بيئات معقدة يتطلب وقتاً لضمان الحد الأدنى من الخسائر بين المدنيين، وتدمير خطوط إمداد العدو نهائياً واستنزافه بدلاً من مجرد دحره مؤقتاً.
التلاحم الشعبي والقوات المساندة: المعادلة التي حسمت المعركة
لم تكن القوات المسلحة تخوض هذه المعركة المفصلية بمفردها ، بل استندت إلى رصيد ضخم من التلاحم الشعبي غير المسبوق. لقد أدرك الشعب السوداني بوعيه الفطري أن استهداف الجيش هو استهداف لوجود الدولة نفسها، فالتف حول مؤسسته العسكرية في ملحمة وطنية فريدة.
تجلى هذا التلاحم في:
المقاومة الشعبية والمستنفرين: الذين قدموا خيرة شبابهم ليكونوا سنداً وعضداً للجيش في خطوط النار الأولى.
القوات المساندة وحركات الكفاح المسلح: التي انحازت للوطن وقاتلت جنباً إلى جنب مع الجيش لتشكل جداراً ناريّاً متماسكاً ضد المليشيا المتمردة.
الإسناد المدني والإعلامي: الذي خاض معركة الكرامة بالتوازي مع معركة الميدان، كاشفاً زيف الشائعات ومثبتاً أقدام المرابطين.
حتمية النصر وإعادة بناء السودان
إن المعارك العسكرية لا تُقاس بالزمن فقط، بل بالنتائج الاستراتيجية والمآلات النهائية. واليوم، وبعد أن أمسك الجيش السوداني بزمام المبادرة وأصبح يتحكم في إيقاع المعارك في مختلف المحاور، بات حسم هذه الحرب مسألة وقت لا أكثر.
إن حتمية انتصار القوات المسلحة السودانية لا تنبع فقط من تفوقها العسكري والتكتيكي، بل من كونها تقاتل بعقيدة عدالة القضية، وبدعم كامل من شعب رافض للوصاية والمليشيات.
سيكتب التاريخ أن الجيش السوداني، برغم حجم المؤامرة وتعقد الظروف، استطاع أن يطوّر عقيدته القتالية في قلب المعركة، وأن يحوّل التحدي إلى فرصة لإعادة بناء مؤسسة عسكرية أكثر قوة، وليسطر بدمائهم ودماء أبناء الشعب السوداني صفحة جديدة عنوانها: لا سيادة ولا أمن إلا تحت مظلة الجيش الوطني.
