الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسيةمقالاتلا تسقط الأوطان عندما تختلف الآراء… بل عندما يتوقف التفكير ...

لا تسقط الأوطان عندما تختلف الآراء… بل عندما يتوقف التفكير بقلم / عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

في خضم الأزمات التي تعصف بالأمم، ينشغل كثيرون بالبحث عن الأشخاص الذين يمكنهم إنقاذ الأوطان أو تحميلهم مسؤولية تعثرها. لكن الحقيقة التي تؤكدها تجارب التاريخ هي أن نهضة الدول لا ترتبط بالأفراد بقدر ما ترتبط بطريقة التفكير التي تدير بها شؤونها العامة.
إن الدول لا تنهض عندما يتفق الجميع على رأي واحد، فالتنوع والاختلاف سنة من سنن الحياة، بل تنهض عندما تتحول اختلافات الآراء إلى مصدر للإبداع وصناعة الحلول. وفي المقابل، لا تسقط الأوطان بسبب تعدد وجهات النظر، وإنما عندما يتحول الاختلاف إلى صراع، وعندما يتوقف العقل عن البحث والتخطيط والإنتاج.
لقد شهد العالم دولاً خرجت من الحروب والدمار لتصبح في مصاف الدول المتقدمة، ليس لأنها امتلكت موارد أكبر أو قادة خارقين، بل لأنها غيّرت طريقة تفكيرها في إدارة الدولة والاقتصاد والتعليم والعلاقة بين المواطن والمؤسسات. فالأمم التي تؤمن بالعلم والتخطيط والمحاسبة قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، بينما تعجز الأمم التي تستسلم للجمود والاتهامات المتبادلة عن استثمار أعظم مواردها.
إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى ثورة في التفكير قبل أي شيء آخر. نحتاج إلى الانتقال من ثقافة اللوم إلى ثقافة الحلول، ومن انتظار الآخرين إلى المبادرة الذاتية، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. فالموارد الطبيعية وحدها لا تبني دولة، والثروات مهما عظمت لا تحقق التنمية ما لم تدار بعقول واعية ومؤسسات قوية.
ولا يعني ذلك تجاهل الخلافات السياسية أو الاجتماعية، بل على العكس، فالمجتمعات الحية هي التي تسمح بالنقاش والحوار وتقبل الرأي الآخر. غير أن الاختلاف يجب أن يكون وسيلة للوصول إلى الأفضل، لا سبباً لتعطيل عجلة البناء والتنمية.
إن الطريق إلى النهضة يبدأ بسؤال بسيط: كيف نفكر؟ فإذا تغيرت طريقة التفكير، تغيرت أساليب الإدارة، وإذا تحسنت الإدارة تحسن الأداء، وإذا تحسن الأداء نهض الوطن. أما إذا بقينا أسرى للأفكار القديمة والصراعات العقيمة، فإننا سنظل ندور في الحلقة نفسها مهما تغيرت الوجوه والأسماء.
إن الأوطان لا تسقط عندما تختلف الآراء، ولا تنهض عندما يتغير الأشخاص، وإنما تنهض وتسقط بقدر ما تمتلك من قدرة على تجديد الفكر وإدارة الاختلاف وتحويل الطاقات إلى مشاريع بناء وإعمار.
فلنجعل من اختلافنا قوة، ومن الحوار وسيلة، ومن التفكير الواعي جسراً نعبر به نحو سودان آمن ومستقر ومزدهر.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات