محمد حسن سفيان
في منعطفات الحروب الكبرى التي تهدد كيان الدول ونسيجها الاجتماعي، تبرز دائمًا الأسئلة الأكثر تعقيدًا: كيف تنتهي الحروب؟ وما هو مصير الذين انخرطوا فيها أو قدموا الدعم لخصوم الدولة؟ إن البحث عن مخرج وطني لا يعني بأي حال من الأحوال تسيب العدالة، بل يعني وضع الأمور في نصابها الصحيح تفريقًا بين “المغرر بهم” وبين من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء.
أولاً: باب التوبة ومقاصد الاستيعاب
لا تمنع الدولة، منطلقًا من مسؤوليتها الأبوية والوطنية، قبول توبة كل من غُرر بهم أو أخطأوا التقدير في دعمهم للمليشيا والوقوف في صفها خلال هذه الأزمة. هذا الموقف ليس ضعفًا، بل هو تأسٍّ بقيم الرحمة والعدالة الإلهية، كما ورد في محكم التنزيل:
﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]
فالغاية من الحروب ليست التشفي أو إدامة شلال الدماء؛ فماذا نستفيد من استمرار الحرب وقتل أولئك إن هم عادوا إلى رشدهم وثابوا إلى صوابهم الوطني؟ إن حقن الدماء وإعادة دمج من ضلوا الطريق يمثلان مصلحة عليا للدولة، بشرط أن يثبت هؤلاء مراجعة حقيقية لمواقفهم.
ثانيًا: الخطوط الحمراء.. لا عفو عام على حساب العدالة
ومع فتح باب العودة، يجب أن تكون الحدود الفاصلة واضحة وحاسمة. إن التسامح لا يعني إطلاقًا إسقاط الحقوق، والشرط الأساسي لقبول أي فرد هو: ألا تكون ضده بلاغات جنائية. وهنا يجب التمييز بين نوعين من الحقوق:
الجنايات الفردية: حقوق المواطنين في دمائهم وأعراضهم وممتلكاتهم، وهي حقوق شخصية لا تملك أي سلطة التنازل عنها.
الجنايات ضد الدولة: جرائم الخيانة العظمى، وتقويض النظام الدستوري، والمشاركة الفعلية في تخريب مؤسسات البلاد.
قاعدة أساسية: ليس لأحد —كائناً من كان— حق منح “العفو العام” عمن شارك أو دعم في الحرب مع المليشيا ضد الدولة وخرب مقدرات الشعب. العدالة هي الحارس الوحيد لأي سلام مستدام.
ثالثًا: الإقصاء السياسي.. تحصين الفترة الانتقالية
إذا كانت “التوبة” تحمي المواطن من العقاب الجنائي في حال عدم وجود بلاغات، فإنها لا تمنحه صك الغفران السياسي. إن المبدأ الوطني لحماية مستقبل البلاد يقتضي صرامة واضحة في هذا الجانب:
الموقف من المغرر بهم الإجراء القانوني والسياسي
المسار الجنائي يُعفى من لم تثبت ضده بلاغات جنائية (فردية أو عامة) بعد إعلان توبته.
المسار السياسي الحظر الكامل: لا يُسمح لهم بأي دور في الحياة السياسية مستقبلاً.
الحوار الوطني الاستبعاد التام من أي حوار (سوداني – سوداني) يؤسس لمستقبل البلاد.
إن من اختار في لحظة فارقة الارتماء في أحضان المليشيا ومحاربة الدولة، قد أسقط عن نفسه الأهلية الأخلاقية والسياسية ليكون جزءًا من صناعة القرار أو صياغة مستقبل السودان.
خاتمة
إن معادلة الاستقرار القادم يجب أن تقوم على ركيزتين: المغفرة لمن استبصر ودون المساس بالحقوق، والحزم التام في تحصين المشهد السياسي. قبول التوبة هو بوابة لحقن الدماء وإعادة الرشد، لكن العزل السياسي هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الكارثة، ولضمان أن يُبنى السودان الجديد بأيدي من صمدوا في وجه العاصفة، لا من نفخوا في نيرانها.
